تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
فإذا ذهبت الرعونات فقد صلحت لمعاملة الحق جل وعلا . فاعلم أن كل من لم يحكم المقام في الأدب مع شيخه لا يقدر على الأدب مع الحق جل وعلا ، ولا يشم له رائحة ، فيستفيد المريد من حرمان شيخه كأنه يطلبه ويمنعه منها وهو راض بذلك رضاه عن اللّه كذلك إذا لم يقسم له ما يطلبه ويسعد بصبره على جفاه من غير سبب ظاهر صبره على تصاريف القصي . وهكذا فمن لم يرض بفعل شيخه لا يرضى بأفعال اللّه ، ومن لم يصبر معه لا يصبر مع اللّه ، وهكذا في سائر الأمور ، فكل ولي للّه يحب ان الخلق يدمنون فيه ويفدي جانب الحق تعالى عن سوء الأدب بنفسه فافهم . وإياك ان تظن بالاشياخ انهم انما يأمرون المريد بالأدب معهم حبا لتميزهم عنه في المقام رياسة ، فان ذلك سوء ظن بالاشياخ ، وانما أمروهم بالأدب معهم ليترقوا إلى الأدب مع اللّه تعالى ، وقد بلغنا ان إبراهيم بن أدهم مد رجله مرة في الليل فنودي في سره ما هكذا ينبغي مجالسة الملوك فما مد إبراهيم رجله في الخلوة حتى مات انتهى . ويقع لي ذلك كثيرا مع الأشياخ فربما أردت مد رجل فيمتد لي في كل وجه ولي تجاهها فأنام جالسا . ووقع لي ذلك مع سيدي محمد بن عنان فسحب رجلي بيده وقال مدها ناحيتي فاستيقظت ونعومة يده في رجلي وكان ذلك بعد موته رضي اللّه عنه ، فاعمل يا أخي على ذلك تجد ثمرته واللّه أعلم . ومن شأنه أن يبادر لامتثال امر شيخه له بالذكر جهرا بالملأ ولا يتعلل بالحياء فان للاشياخ في ذلك اغراضا صحيحة ، وقد قالوا من لم يكسر قفص طبعه لم يكشف له حجاب ، وقد انشد سيدي عمر بن الفارض رحمه اللّه في ذلك :
تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا * وخل سبيل الناسكين وان جلوا
ومراده بخلع الحياء كسر قفص الطبع وهو الاستحياء من ذكر اللّه تعالى أو التواجد بحضرة الناس لا الحياء الشرعي ، فان ذلك من ايمانه . ومراده بسبيل الناسكين مراعاة العباد في حركاتهم وسكناتهم واظهار الحشمة بحضرة الناس ، مع اعتمادهم على اعمالهم دون اللّه تعالى ، وهذا الامر قل ان يسلم منه عابد لا شيخ له ولو أنه اتخذ له شيخا لكسر قفص طبعه . وسمعت سيدي محمد الشناوي رحمه اللّه يقول : الواجب على المريد في بداية امره رفع صوته بالذكر في الملأ حتى يتحرق حجابه لان ذلك يجمع شتات قلبه . ثم إذا تمكن في الذكر وأنس بالحق تعالى دون الخلق فهناك لا يصح له مراعاة أحد من المخلوقين دون اللّه تعالى ، ثم
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 67 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى