وسمعت سيدي علي المرصفي يقول : من خالف نفسه فقد أفلح ، ومن وافقها وخالف شيخه فكأنه جعلها شيخا له مع شيخه ، ومن له شيخان لا يفلح ، لان القوم أجمعوا على أن توحيد القصد واجب ليجعلوا لهم هما واحدا ، وقالوا من لم يكن مقصده واحدا متعلقا بواحد لا يشم من توحيد الحق تعالى رائحة . وقالوا متى خرج المريد بحركة واحدة لشيئين حاجة مثلا والصلاة فقد أشرك في القصد الا أن تكون الحاجة مطلوبة شرعا ، وذلك لان الشرك ظلم عظيم على اختلاف أنواعه ، وهو مشتق من الظلمة ، ومن دخل الظلمة يحار في الطريق ، ومن حار فيها فلا ترجيح عنده ، ومن فقد الترجيح فقد الترقي ، ومن فقد الترقي لا يفلح .
وكان سيدي إبراهيم المتبولي رضي اللّه عنه يقول : ما من صنعة ولا حرفة الا ويمكن العارف الكامل ان يوصل المريد منها إلى حضرة ربه عز وجل ، وقد دخل الصحابة رضي اللّه عنهم في دين الاسلام وهم على حرف وصنايع فأقرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على حرفهم وصنايعهم ولم يأمرهم بالخروج عنها وصار يربيهم ويعلمهم أمور دينهم إلى أن بلغوا مراتب الكمال وبعضهم وصل لدرجة الكمال من أول وهلة . وبالجملة فما دام المريد له اختيار وتدبير ورؤية خلاف ما يأمره به شيخه فهو في مقام العداوة لشيخه والمحاربة له والمنازعة .
وفي كلام سيدي محمد وفا رحمه اللّه موشح :
ألقيت عن عاتقي سلاحي * وصرت سلما على الطريق
طرحت نفسي وباطراحي * نجوت من فجها العميق
فكن يا أخي سلما لشيخك لا ضاربا واللّه يتولى هداك .
ومن شأنه ان يبادر لامتثال أمر شيخه ولا يتوقف على معرفة الدليل على امره به فان ذلك من أكبر قواطع الطريق ، فان علم الاستدلال انما يكون للأشياخ والمجتهدين لا المقلدين ، وليس قصد الشيخ من المريد الا انه يصير يتكلم من مواجيده وما يقذفه الحق تعالى في قلبه من معاني الآيات والاخبار ، الا انه يصير يحفظ عبارات الناس وينقلها كالناسخ .
وأجمعوا على أن الشيخ متى سامح المريد في التحري عليه ومطالبته بالدليل على كل شيء امره به أو نهاه عنه فقد أفسد حاله ، وربما سرى ذلك إلى بقية جماعته فيتلف حالهم ، ويدخلوا باب الجدال . فيجب على الشيخ ان يطرد مثل هذا عن مجلسه بحسن عبارة لا بالعنف ، إذا توفرت عنده قرائن الالتباس من أخلاقه المعروفة عند القوم ، وذلك كأن يقول له يا ولدي انك قد صرت من أهل العلم بحمد اللّه وما بقي عندي علم يكفيك فانظر إلى أحد يزيدك علما ولا تخالفني تغشّ نفسك . ثم إذا اخرجه الشيخ عن صحبته فإن كان فيه خير ومنّ اللّه