ومراد الشيخ أن تكون أوقات المريد كلها معمورة بامتثال امر أو اجتناب نهي فلا يوجد إلا في عمل يؤجر عليه ، وما جعل الشارع المباح إلا لتتنفس فيه الضعفاء من مشقة التكاليف لغلبة الملل عليهم من كثرة التحجير في الأمور الشرعية . ولولا انه سبق في علم اللّه تعالى وقوع الملل منهم لما شرع لهم المباح بل كانوا كالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون .
وقد تقدم اجماع القوم على أن كل مريد ترخص ونام ولغى في الكلام وأكل الذيذ من الطعام لا يرتجى منه خير ، إذ الطريق كلها جد وجهاد لا صلح فيها مع النفس ما دامت نفسا ولا راحة حتى يموت العبد ، فاعلم أن من شأن المريد الصادق المجدّ الأخذ بعزائم الشريعة دون رخصها .
قالوا ولا ينبغي للمريد ان يتشبه بشيخه في فعله المباح ولا غيره بحكم الإرث لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخلاف المريد .
وقد قالت عائشة رضي اللّه عنها : كان رسول صلى اللّه عليه وسلم يذكر اللّه تعالى على كل احيانه يعني حتى في حال مزحه مع الأطفال والعجائز وغيرهم .
ونقل الجلال السيوطي رحمه اللّه تعالى في الخصائص ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان مكلفا بالحضور مع اللّه تعالى حال خطابه للخلق فلا يشتغل عن اللّه تعالى بشيء .
ونقل الإمام القشيري عن سهل بن عبد اللّه التستري انه كان يقول : لي منذ ثلاثين سنة أكلم اللّه والناس يظنون اني أكلمهم انتهى .
وذكر العلماء ان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أجر الواجب من حيث إنه صلى اللّه عليه وسلم منتزع لأمته مبين لهم الأحكام ، فكذلك الحكم للشيخ يبين للمريدين ما جهلوه من أمور دينهم ويثاب على فعل المباح إذا أتوا به عرفيا صحيحا بخلاف المريد لحجابه عن ذلك . فليحذر المريد من قوله للشيخ كيف تنهاني عن المباح الفلاني وتفعله أنت فان ذلك جدال بغير علم ويصير به ناقضا للعهد واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يقدم امر شيخه على جميع اهوية نفسه ، فإذا امره بتنظيف المستراح وخدمة الفقراء في المطبخ والعجين رأى ذلك مقدما على كل ما يترجح عنده فعله لان الشيخ اعرف منه بطريق الترقي ، كما أن البيطار يعرف من امراض الدواب ما لا يعرفه أصحابها ، وقد خالف في هذا الأمر أقوام فحرموا بركة صحبتهم لشيخهم وحرموا الترقي ، إذ النفس من شأنها التلبيس على صاحبها ، فما فعل طاعة إلا ولها فيها دسيسة تمنع الاخلاص ، وقد قالوا اعمل بإشارة شيخك فان خطأه ارقى من صوابك أنت .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 64
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٦٤