اسرع جلاء من دوام الذكر فهو كالحصى للنحاس المصدي فهو وان كان ساعيا في الجلاء كذلك لكن يحتاج إلى طول زمان بخلاف جلائه بالحصا الذي هو بمثابة الذكر . ومن هنا قالوا لا ينبغي للشيخ ان يأخذ العهد على مريد الا بعد تضلعه من علوم الشريعة بحيث يصير يعد للمناظرة كما درج عليه السلف الصالح وهي طريقة الشاذلية رضي اللّه عنهم ومن تبعهم وايضاح ذلك ان الطريق عزيزة لا تقبل إلا من اشتغل بها وحدها فمن أعطاها كله أعطته بعضها ، ومن كان وراءه التفات إلى مطالعة درسه مثلا فلا يصح له الاقبال على الذكر بكليته بل يصير في محاربة مع نفسه ، وان اشتغل بالذكر كان كالمختلس لا سيما اعتراض عليه ويقولون له كيف تترك الاشتغال بالعلم وتشتغل بأمور وهمية فيحصل له التردد في طلب الطريق فلا يفلح فيها .
ومن هنا اختار القوم للمبتدىء من المريدين مذهب المحدثين وهو الاخذ بما صرحت به الشريعة أولا دون ما ولده العلماء بالاستنباط منها الا ان اجمع عليه بقصد التخفيف على المريد . ثم إذا رسخ في الطريق وقوي حاله وعمل بجميع ما صرحت به الشريعة من امر ونهي ، هناك يؤمر بالعمل بما ولده المجتهدون والبحث عن اي موضع استنبطوه من الكتاب والسنة .
وربما صفت سريرته فأطلعه اللّه تعالى على مستند أقوال العلماء من غير نظر كتاب ، كما وقع لسيدي علي المرصفي وسيدي محمد الشناوي بإخبارهما لي ذلك . ويسمى هذا علم التعريف بالأحكام الشرعية ، فلا يكون إلا من باطن الشريعة لأنها هي المادة التي يقتبس العارف منها .
وأجمعوا على أن أقل حصول ثمرة الذكر ان يصير يحضر بقلبه في صلاته لا يخطر في باله شيء من الأكوان من حين يحرم إلى حين يسلّم ، ومتى خطر بباله في فرض الصلاة أو نفلها غير اللّه تعالى فالواجب عليه عندهم الاكثار من الذكر لأنه إلى الآن لم يحصل له ذكر وارد الكمال .
وسمعت سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : انما حث الأولياء على الذكر لما فيه من جلاء القلب ليصير المريد يأتي الصلاة والعبادات كلها على الوجه المأمور به شرعا لا غير ، ومتى كان له حجاب أو ميل إلى شهوة من الشهوات فمن لازمه الاتيان بالعبادات على وجه النقص عما امر به . قالوا وانما لم يشتهر عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين الاكثار من الذكر ليلا ونهارا على طريق القوم الآن لسلامتهم من العلل ، فكانت قلوبهم سليمة وأخلاقهم محمدية ليس عندهم رياء ولا كبر ولا عجب ولا نفاق ولا غير ذلك مما يطرق المريدين الآن ، بل ربما يكون كل شيء حصدوه من الاخلاق الردية يطلع مكانه شيء آخر ، ومن هنا اجمع العلماء على وجوب مجاهدة النفس وأمروا المريد بالسفر إذا لم يجد في بلاده شيخا يربيه واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يخالف شيخه إذا امره شيخه مباحا من مباحات الشريعة ولا يحتجّ عليه بأدلة الإباحة ، لان الشيخ انما مراده الترقي للمريد والمباح لا ترقي فيه من حيث هو مباح .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 63
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٦٣