وكان سيدي أبو السعود الجارحي رحمه اللّه يقول : كل مريد أقام عند شيخه لأجل وظيفته أو خلوته أو لأجل ما يحصل له على يديه من حين ترك الخرقة فهو خائن لا يجيء منه شيء ولو مكث عند الشيخ عمر نوح عليه السلام .
وسمعته يقول : ينبغي للشيخ إذا اجتمع به تاجر فطلب الصحبة وأتاه بجميع ماله وقال قد خرجت عنه ان يحفظه عنده ولا يتصرف فيه لان الغالب على مريدي هذا الزمان الكذب فربما تهوّر المريد في الخروج عن ماله أول مرة بغير صدق ، ثم لما فترت همته احتاج إلى ماله وصار يطالب الشيخ به بالحال والقال كما وقع لي ذلك مع عدة جماعة .
وسمعته مرة أخرى يقول : جلس عندي مرة جماعة وادعوا طلب الطريق وحكّموني في أنفسهم فأخرجت عنهم وظائفهم في الزاوية وأعطيتها لاخوانهم فنقضوا العهد وفارقوني وصاروا يرافعون فيّ عند الحكام . وعلمت أن كل من جلس عند شيخه لأجل قراءة سبع أو حضور أو أكل أو شرب أو لاكرام الناس له لكونه من جماعة الشيخ فقد تودع من صلاحه للطريق ، لان ذلك حكم الاشتغال بالدنيا والحرف التي كان تركها ودخل في صحبة الشيخ بعدها .
وسمعت سيدي على المرصفي رحمه اللّه تعالى يقول : لا ينبغي للمريد ان يشتغل بحرفة ولا وظيفة الا باذن شيخه ، ومتى عرّض له بتركها فليس له فعلها . وقد وقع لسيدي محمد الغمري انه اشترى له قطنا وصار يعمل منه عراقي ويخيطها ويتقوت بها أيام مجاورته عند سيدي احمد الزاهد فنهاه عن ذلك ، فقال : يا سيدي انما قصدت رفع كلفتي عن الاخوان حين رأيتهم في ضيق عيش ، فقال يا محمد الفقراء انما يتركون الدنيا اختيارا بعد ان عرضت عليهم ولو أن أهل مصر كلهم كانوا عيالي ما اهتممت لأجلهم انتهى .
وكذلك سمعت سيدي أبا الحسن الغمري يقول : لو صار عندي الف من المجاورين ما حملت لهم هما لأني أعلم ان اللّه تعالى لا يضيّعهم كشفا ويقينا لا ظنا وتخمينا ، وما قيّدهم عندي الا ويسوق لهم ارزاقهم . وكثيرا ما يأتي الشيطان إلى المريد في بداية امره ويقول له :
كيف تركت ما كان بيدك من الدنيا وجلست في هذه الزاوية فتأكل من أين ، وتشرب من أين ، وتلبس من أين ، وما تعودت نفسك بالشحاذة وسؤال الناس فقل له أخشى لعنة اللّه تعالى إذا كان يرزقني وانا مدبر عنه فكيف يضيعني وأنا مقبل على خدمته ؟ وهناك يفارقه إبليس واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يتمثل امر شيخه للاكثار من ذكر اللّه سرا وجهرا ، ولا يكون له شغل إلا ذلك ولا يزيد على الفرائض والسنن المذكورة ، فقد أجمع الأشياخ على أنه ما تم طريق للمريد
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 62
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٦٢