مع السخط والندم فهو فيها إلى الاثم أقرب . ثم لا يخفى ان مشاورة الشيخ انما هو في سفر الحج لا في الحج لا سيما ان كان المريد مع شيخه في مكة ، فان ذلك لا يكاد يكون فيه مشقة ولا سخط لخفة مؤنته وقصر مدته ، فلا يحتاج فيه إلى شيخه كما لا يحتاج إلى مشاورته في حضور المسجد للجمعة والجماعة وصوم رمضان ونحو ذلك ، لكن لو وقع ان المريد أقيم في عمل قيل إنه أرجح من حج النفل مثلا ، فلا بد من مشاورة الشيخ في ذلك ليخبره بأنها أرجح حتى يقدمه .
وكان سيدي يوسف العجمي رحمه اللّه يقول : انما يصلح السفر للرجال إذا كملوا ، وأما المريد فاقامته في خدمة شيخه ساعة ساعة أفضل به من خمسين حجة على الجهل بآداب الحج وشروطه ، وما رأينا قط مريدا فتح عليه من حيث سفره إلى مكة وسياحته في الجبال ونحوها بغير اذن شيخه ابدا بل بعضهم حجب هناك لسوء أدبه ولسان حال شيخه يقول له اصبر حتى أعلمك الأدب مع اللّه تعالى في دخول حرمه وبيته ثم سافر على وجه الأدب ، فلا ينبغي الاعتراض على شيخ منع مريده الحج الا بعد الاجتماع بالشيخ وسؤاله عن العلة في ذلك فان لحوم الأولياء سم على من اعترض عليهم بغير حق واللّه أعلم .
ومن شأنه إذا أقام في زاوية شيخه ان يقنع بالخبز الحاف وبلبس الخيش بسد باب الاشتغال بالدنيا مما أمكن ، وقد اجمع الأشياخ على أن كل مريد لم يخلص النية في الإقامة عند شيخه للتربية وجلس لعلّة أخرى لا يفلح في الطريق ابدا ولو كان شيخه من أكبر الأولياء ولا يزاد على ممر الأوقات الا إدبارا ومقتا لاستهزائه بالطريق وبالشيخ وتظاهره بمحبة الطريق كذبا وزورا . وقد مضى المريدون الصادقون كلهم على الاخلاص في محبة الشيخ والطريق ، حتى أن سيدي الشيخ شهاب الدين المرحومي شيخ الشيخ أبي السعود الجارحي رحمه اللّه أقام عند سيدي الشيخ مدين سبع عشرة سنة لم يذق له طعاما ولا شرب عنده ماء وكان يخرج يشتري له من السوق ما يأكله وما يشربه ويقول لا أحب ان أشرك في الإقامة عند شيخي امرا آخر ، فقيل له كل من طعام شيخك بقصد التبرك به لا غير فقال لم أبلغ إلى تلك الدرجة انتهى .
وسمعت سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : ما طالت الطريق على المريدين المقيمين عند الشيخ الا بعدم اخلاصهم في صحبته ولو أنهم أخلصوا وتركوا العلل لحصل لهم كمال الانقياد للشيخ ووصلوا إلى حضرته في مدة يسيرة كما كان يقع للصحابة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولكن لما عدم المريدون الاخلاص الكامل كان امرهم في سلوكهم على التدريج شيئا فشيئا ولا يكمل انقيادهم للشيخ الا بعد سنين بل غالب المشايخ الذين أدركناهم ماتوا بغصصهم ولم يفتح على أحد من مريديهم ولكن باب الفتح مفتوح ما شاء تعالى .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 61
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٦١