تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
والالتفات إلى الأهل والمال والعيال دون اللّه تعالى ولو جرى عليه الاشتغال باللّه وحده ، ثم إذا ذاق ما ذاق الرجال وكمل حاله وصار لا يشغله شيء في الكونين عن ربه ، فهناك يقولون له التفاتك للدنيا وتصريفها في آمالها المشروعة كما درج عليه كمّل الأولياء هو الكمال فعلم أنه الواجب على الشيخ منع المريد من كل علاقة ما دام سالكا وانه لا يبيح له أخذ شيء من الدنيا إلا بعد كماله ورجوعه للحق فإنهم لو أمروه بمخالطة الناس واعطائهم حقوقهم لربما عجز عن السير . وكان سيدي يوسف العجمي رحمه اللّه يقول : كل ما يشتغل به المريدون اللّه تعالى من الحظوظ من تجارة أو عمل حرفة أو اشتغال بعلم الاخلاص فيه حكم من ربط في عنقه حبالا وثيقة تجره إلى ناحية قفاه وشيخه يجره إلى امامه بحبل العنكبوت . وكان يقول : إذا اشتغل المريد باللّه وحده سار كما يسير الطائر ، وإذا اشتغل باللّه وبغيره زحف كما يزحف الزّمن مع ضعف عزيمته طالبا وصوله إلى البلاد البعيدة واللّه أعلم . ومن شأنه ان يفرح إذا نقصه شيخه بين اخوانه وناقشه على النظرة والخطرة والنقير والقطمير ، فان ذلك دليل على شدة اعتنائه به ورجائه له الخير والترقي ، ولولا ذلك لكان أهمله كما أهمل من لم ير فيه خيرا ، فليحذر المريد من موافقة هوى نفسه وتعيره على الشيخ ويقول إن ذلك دليل على كراهة الشيخ لي ولا ينظر . وقد أجمعوا على أن الشيخ إذا رأى مريده على سوء أدب أو غفلة أو يلغو في مجلس ولم يزجره ولم ينهره فقد مكر به وسعى في طرده عن صحبته ، وذلك لأن المريد إذا تمادى في الغفلة واللهو وعدم المناقشة حتى استحكمت الغفلة فيه لا يصير يصغي لكلام الشيخ بل تنفر منه نفسه ويقول إن هذا يأمرني بأمر لا يطاق كما وقع لي ذلك مع جماعة من الزاوية وخرجوا عن طاعتي وصاروا يجالسونني بلا داعية ولا انقياد خوفا من لوث الناس بهم إذا قطعوا مجالستي بالكلية فلم يزدادوا بذلك إلا مقتا نسأل اللّه العافية . ومن شأنه انه يرى ملازمة شيخه للأدب والتربية أحب اليه من السفر والحج الذي اعتقد فريضته على نفسه لاحتمال خطأ اعتقاده بأن يكون جاهلا بواجبات الحج والسؤال عنها كما عليه غالب الفلاحين وجهلة العوام ، اما إذا توفرت أسباب الوجوب فمحال من الشيخ منعه ، وان فرضنا انه منعه من ذلك فليس هو شيخ وانما هو عاص للّه تجب مخالفته لأن الشيخ الحقيقي أمين على المريد في ترجيح اعماله على بعضها فلا يأمره بتقديم مفضول مثلا إلا أن يرى في الأفضل علة قادحة في الاخلاص أو حصول عجب أو كبر بذلك على أقرانه ونحو ذلك ، وقد رأينا كثيرا ممن حج بغير اذن شيخه حصل له في الطريق غاية الندم وصار يتمنى انه لو قدر على الرجوع لرجع ، وموضوع العبادات كلها التقرب إلى اللّه بها مع انشراح القلب ، واما