وهناك تطلب نفسه الانتقال عنه لان من شأنها طلب الزيادة ما دامت ترى ان وراء مقامها مقاما .
وكان الشبليّ رحمه اللّه يقول : دخلت يوما على الجنيد وهو جالس مع عياله أتواجد وانا سكران من حلاوة أحوالي ، فلما صحوت من ذلك قال لي لا يخلو حالك من امرين : إما أن تكون غائبا بحالك ولذته عن الحضرة ، أو حاضرا ، فان كنت غائبا عن اللّه فيها متلذذا بحالك الفاني فلا يليق بك الطرب لأنك محجوب عن اللّه ، وان كنت حاضرا فذلك سوء أدب ، فقال الشبلي التوبة يا أستاذ فتاب ، فانظر كيف بين الجنيد له نقض حاله في الحالين وتوبته منه واللّه أعلم .
ومن شأنه إذا كان مجاورا عند شيخه على وجه التأديب ان لا يخرج من الزاوية إلا باذن من الشيخ أو من النقيب أو من فقيه الزاوية لا سيما الخروج للسوق فإنه قد يورثه قلة الحياء وكثرة الكلام والمحاجة عن نفسه لسرقة طبعه من أهل السوق .
وقد بلغنا ان فقراء سيدي محمد الغمري في المحلة الكبرى كان يأتي الواحد أبوه أو عمه فلا يتجرأ أن يذهب للقائه بقصد ان يسلم عليه حتى يشاور النقيب ويقول إن الأدب مع شيخي مقدم على الأدب مع أبي الطيني ، ومن هنا قالوا من كان له أبوان لا يفلح في الطريق لأنه يصير مذبذبا بين ما يريده هذا وما يريده هذا ، كما يؤخذ مما يشمله نوع من وجوه الإشارة بقوله تعالى : (
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
) ، ثم إن ابا التربية لا يدعو الولد دائما إلا إلى الآخرة ، وأبوه الطيني الغالب انه لا يدعو ولده إلا إلى الأمور الدنيوية فيقول له : اقرأ بالعجل وتعال نعلمك مباشرا في بلدنا أو تخطب بالناس وتأخذ رزقة الجامع ونحو ذلك ، هذا غاية نظره منه ، ومنه قراءته القرآن والعلم مثلا ولا يذوق شيئا مما يأمره به الشيخ ، فإن كان أبوه الطيني يدعوه إلى خير فهو أبوه من الجهتين فيتأكد عليه حقه جزما .
وكان سيدي أبو السعود الجارحي يقول لمن يريد صحبته : هل لك أب ؟ فيقول له نعم ، فيقول أين هو ؟ فيقول في البلاد مثلا ، فيقول له اذهب اليه أنا لا أصحب من له أب غيري .
وكان شيخنا الشيخ محمد الشناوي يرخص للولد في موافقة أمه إذا دعته إلى خلاف ما دعاه اليه الشيخ في بعض الأوقات لقلة صبرها وجهلها بما يفعله الشيخ مع ولدها وليس عندها أحسن لابنها من أن اللّه تعالى يطيل عمره لها في عافية مع اتساع رزقها ، والاقتصار على ذلك خلاف ما يطلب الشيخ بيقين وأهل الطريق على عدم مراعاة الوالدة في مثل ذلك لبنائها على الجد والاجتهاد ، وإذا تعارض عندنا مفسدتان لارتكبنا الأخف منهما ، أو أمران دنيوي وأخروي ، قدمنا الأخروي بشرطه ، وايضاح ذلك ان الأشياخ عجزوا عن كونهم يسيرون بالمريد في الطريق مع إعانة شيئين فأكثر في وقت واحد ، وأجمعوا على وجوب قطع العلائق