تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
تعالى غيره بعد ذلك بدعاء الشيخ له وقال له يا محمد نحن لا حاجة لنا بالدنيا ولو طلبناها لأتتنا ولكن قد اخترنا التقلل منها اقتداء بالسلف الصالح . ولما انفق سيدي محمد الشناوي ماله على الشيخ قال الشيخ أبو الحمائل اللهم عوض عليه خيرا مما بذل فصار ماله أضعاف ما كان ؛ ها أنذا أخبرني به شيخنا رضي اللّه تعالى عنه ؛ فعلم أن الاحسان إلى عيال الشيخ من محبة اللّه له وشيخه وذلك أسرع في الفتح . واعلم أن جميع ما ذكرناه انما هو في حق مريد يرى أن جميع ما بيده لشيخه فلا ينافي ذلك ما قدمناه في هذا الباب من نهي الشيخ ان يأكل من طعام المريد أو يأكل منه هدية ، لان ذلك في حق المريد الذي لم يصدق مع الشيخ وحكمه حكم الأجنبي فافهم واللّه أعلم . ومن شأنه ان لا يقيم بصره في وجه الشيخ بل يغض بصره عن رؤيته ما أمكنه وذلك لأمور يذوقها السالكون لا تسطر في كتاب ، ومن أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم انه كان لا يثبت بصره في وجه أحد ، وكان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه بسرعة ، قال بعضهم : ويحتمل ان ذلك انما هو لكون التجلي الإلهي في حديث الرؤية شبه به فافهم . وكان الشبلي يقول : من أدمن النظر إلى وجه شيخه فقد خلع ربقة كمال الحياء من عنقه ، وتقدم في هذا الباب ان الشبلي يقول : سئلت عن لحية الجنيد هل كان شيبها أكثر ؟ فقال لم أخفق النظر إليها قط لأني كنت أكلمه وأنا مطرق رأسي لان المقصود سماع الكلام لا رؤية شخصه . كان سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : لكن ان ثبت المريد في مقام الأدب مع الشيخ ، ولم يلزم من كثرة رؤية وجهه استهانة به بل قصد برؤية وجهه الشفا واللحظ فلا بأس ، كما جوز العلماء حمل آيات من القرآن في التعاويذ ، لان القرآن المقصود بها ان يكون حاملها في بركتها لا الاستهانة بها ترميه واللّه اعلم . ومن شأنه ان لا يستعظم شيئا من أحواله ان يذكره للشيخ كالزنا والكبر والعجب والنفاق ومحبة الرياء ونحو ذلك من المعاصي المستقبحة شرعا ، بل يذكرها كلها له ليعرفها بدوائها كما مر تقريره في مبحث الكلام على الخواطر في هذا الباب . وربما كتم المريد عن شيخه شيئا من هذه الأمراض فاستحكم العارض أو احتاج إلى أن يتعب في ازالته أشد التعب . وكل مقام يدخله المريد من مناهل الطريق له حلاوة لا يقدر قدرها ، فلو لا شيخه يرقبه لأقام فيه حتى مات لا ينتقل عنه إذ الشيخ موضوع لتقرب المريد الطريق وطيها للمريد ، فلو كان لكونه خبر الطريق قبله وعرف منها مناهلها وحفرها ومهالكها ، فلما رأى استحلاء المريد لشيء من أحوال الطريق يقول له المطلوب امامك ويبين له علل ذلك الامر الذي وقف معه وانه من حظوظ النفس ،