العلماء للانسان إذا فارقها انه يلتفت إليها بوجهه ويمشي القهقرى حتى يتوارى عنها بجدار أو يبعد جدا .
وسمعت سيدي على المرصفي رحمه اللّه يقول : لا يعرف مريد مقام شيخه حقيقة إلا أن اشرف على مقام الكمال ، فهناك يعرف ما يدعوه الشيخ اليه ، اما قبل ذلك فلا يكاد يعرف للشيخ مقاما ، ومن لازم ذلك سوء الأدب معه ومخالفته دائما امره غالبا واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يرى نوم شيخه أفضل من عبادته هو لسلامة شيخه من العلل والأمراض فليس نومه تهاونا بعبادة ربه وانما ذلك لمشاهده بذوقها ، وتقدم قولنا ان نوم العارفين يسمى وردا ، فيقال فلان في ورد النوم والورد من لازمه الوارد والوارد من لازمه الترقي فافهم .
واعلم يا أخي ان كل من ظنّ ان عبادته أفضل من نوم أستاذه فقد عقه والعاق لا يرفع له إلى السماء عمل . وقد أرسل ذون النون المصري شخصا إلى أبي يزيد يقول له إلى متى الدعة والراحة وقد سارت القوافل فأرسل أبو يزيد يقول له ليس الرجل من يسافر مع القافلة وإنما الرجل من ينام إلى الصباح ويصبح أمام القافلة ، فقال ذو النون هذه درجة لم تبلغها أحوالنا فكان ذو النون كالمريد لأبي يزيد في هذه المسألة . ويعرف من هذه الحكاية ما حكي أن الإمام احمد كان يمدح الإمام الشافعي بين أهله كثيرا ، فاتفق ان الإمام الشافعي نام عند أحمد ليلة وأهل أحمد يرقبونه فلم يروه قام ولا صلى فقالوا أين ما كنا نسمعه منك في حق هذا ؟
فقال الإمام أحمد : إنه استنبط الليلة في هذه الضجعة مائة حكم من القرآن تنتفع بها الأمة لا تزن صلاتي انا طول الليل حكما واحدا مما استنبطه ، فاستغفر أولاده وعياله في حق الإمام الشافعي رضي اللّه عنه هكذا درج عليه المريدون مع أشياخهم واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يتزوج ابدا امرأة رأى شيخه مائلا إلى التزوج بها ولا امرأة طلقها شيخه أو مات ، ومما يشهد لذلك ما ورد ان عمر رضي اللّه عنه عرض ابنته على أبي بكر رضي اللّه عنه ان يتزوجها قال لما تزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عاتب عمر أبا بكر في ذلك فقال أبو بكر انما منعني من ذلك اني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يذكرها ، وكذلك مما يشهد لما استشهدنا به ان المهاجرين الأولين طلبوا من سلمان الفارسي ان يؤمّ بهم فقال سلمان رضي اللّه عنه كيف أؤم قوما هدانا اللّه للاسلام على يدهم وأبى ولم يؤم بهم .
وقد قدمنا ان للوارث من الأدب ما للموروث وإن تفاوت المقام فلا يقال مثل ذلك خاص برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأنا نقول ذلك حرام بنص القرآن وهذا أدب لا غير مع قولنا بجوازه فافترق الأولياء لمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
ورأيت في مناقب سيدي محمد الحنفي الشاذلي القطب الغوث رضي اللّه عنه انه لما
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 56
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٥٦