القضية السابقة ما أنت حولي إلا لأجل بطنك دون المحبة لي لا ينبغي له ان يتكدر بل ينبغي له ان يشكر اللّه على ذلك الذي حذره من الأكل من طعام الناس دون اخوانه لأنه لا سيما وطعام الفلاحين غالبه للعلل وامراض أقلها ليصير الشيخ يشفع فيهم عند الكاشف أو شيخ العرب أو عند أستاذهم ، وقلّ فلاح يسلم من مثل ذلك . وكذلك لا ينبغي للمريد ان يتكدر من شيخه إذا مشاه في السفر وركب غيره بل يفرح لأن شيخه يريد بذلك ان يرقي همته إلى استحلاء افعال الحق تعالى معه لمخالفة هواه فان من لم يستحل مقارع الأستاذ لم يظفر منه بالوداد واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يحرص على أن لا يدخل عليه محبة لغير شيخه وغير من امر اللّه تعالى بمحبتهم من الأنبياء والأولياء وصالح المؤمنين ، فان أحب ما يكون المريد إلى شيخه إذا نظر في قلبه فلم ير فيه محبة لغيره من اقرانه ولا مراعاة لسواه ، ولذلك الحكم في نظر الحق تعالى إلى قلب عبده إذا نظر اليه فلم يره يراعي غير ربه ولا يميل إلى سواه اصطفاه واجتباه وجعله من خواص أهل حضرته ، فالمريد الصادق عمله دائما في نظافة قلبه من كل دنس وشبهة لان الحق تعالى غيور ومحل بلوغ العبد إلى مقام محبة اللّه تعالى له كما ذكرنا ان لا يتأثر ممن يؤذيه وينقصه في المجالس لأن تأثير هذا يدل على مراعاة الخلق دون الحق فآثر نظر العبيد ورجح مراعاتهم على نظر الحق تعالى وذلك ابغض ما يكون عند ربه عز وجل لأنه كما كان الذي لا يراعي سواه في قلبه سواه أحب الناس اليه ، فكذلك يكون من يراعي سواه ابغض الخلق اليه فافهم ، فاللّه يجعلنا ممن يراعيه آمين آمين .
ومن شأنه ان لا يشاور شيخه على امر ابتداء إلا أن تقدم منه الاذن قبل ذلك ، واما إذا كان تقدم منه المنع كأن قال له لا تبتدئني قط بكلام الا ان ابتدأتك أنا بالكلام ، فلا ينبغي له ان يبتدئه ولو ابتدأ لا يلزم الشيخ جوابه ، إذ على المريد السكون بين يدي الشيخ دائما كالميت بين يدي الغاسل ، وربما كان في الجواب عن ذلك الأمر الذي ابتدأ به الشيخ ضرر به أو بالشيخ كأن قال لشيخه : خذني معك إلى الحج أو المكان الفلاني أو دعني اجلس بين يديك كلما بدا لي ونحو ذلك ، وقد درج الأشياخ كلهم على عدم تمكينهم المريد من ابتداء الكلام مع الشيخ واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يتقدم على شيخه في المشي وغيره بل يكون مشيه تبعا لشيخه في الظاهر والباطن ، فان تقدم عليه لحاجة فلا بأس كأن يتقدم ليجس له المخاضة أو يكشف له عن حفرة في الطريق في الليالي المظلمة ونحو ذلك فان ذلك من جملة ايثار شيخه عليه بالنفع دون الضر ، قالوا ولا ينبغي له ان يستدبر شيخه ابدا إلا باذن ويكون ذلك مع استشعار المريد الخجل والحياء حتى كأنه يمشي على الجمر فان شيخه أعظم حرمة من الكعبة ، وقد استحب بعض
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 55
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٥٥