تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وذكر اليافعي رحمه اللّه ان بعض الأولياء يقدره اللّه تعالى على قلب الأعيان التي يصح استحالتها فيجعل العسل قطرانا والقطران عسلا والخمر حلاوة والحشيش حلاوة فيصير الناس ينكرون عليه وبعضهم أخذ حشيشة ليبلعها فقبض شخص على يده فإذا هي مأمونية . وحكى لي خادم سيدي أبي الخير الكلبياني ان شخصا أتاه وأخبره أنه قال للشيخ ان زوجتي حامل وقد اشتهت مأمونية حموية ولم أجدها فقال له الشيخ ائتني بوعاء فأتاه به فتغوط له فيها مأمونية سخنة فقال الخادم وأكلت منها لعدم اعتقادي انها غائط انتهى . ومثل هذه الأمور مما لا يعارض النصوص الشرعية الأولى التسليم لأربابها ، لأن الحسّ قد ساعدهم لوجود طعم الحلاوة أو القطران أو العسل . هذا كله في مواجيد الشيخ . اما إذا أمر المريد بأمر فليس له ان يتناوله على غير ظاهره بل يبادر إلى فعله من غير تأويل واللّه أعلم . ومن شأنه ان يبادر لفعل ما يأمره به شيخه ولو لم يعلم له ثمرة كما مضى عليه المريدون الصادقون بخلاف ما عليه أكثر مريدي هذا الزمان ، فيقدم المبادرة إلى امتثال أمر زوجته مثلا على امتثال أمر شيخه ولذلك تخلفوا عن الوصول إلى مقامات الرجال ، فحكم أحدهم من ربط في عنقه صخرات عظيمة مثقوبة بعدد هفواته وأحكم ربطها في عنقه بحبال وثيقة ، وداعيته إلى السير ضعيفة ، وشيخه يسحبه إلى قدام بحبل العنكبوت ، وداعيته إلى الشهوات تسحبه إلى ورائه بالحبال الوثيقة . وقد كان الشيخ أبو السعود بن أبي العشائر يقول : المريد الصادق هو الذي لا يتعب شيخه فيه لما عنده من النهضة والعزم واللّه أعلم . ومن شأنه ان يكون غرضه فانيا في اختيار شيخه فمهما اختاره شيخه كان هو المراد فليحذر المريد أن يتكدر من شيخه إذا عمل المريد له طعاما ودعاه فلم يحضره ، أو عمل له ثوبا فلم يلبسه ، فان مال المريدين مكروه للاشياخ في اصطلاحهم ، الا ان صار المريد يرى نفسه وماله لشيخه ، وعلة كراهة اكل طعام المريد على الشيخ كون ذلك يورثه الا دلال على الشيخ ويصير له المنة على الشيخ ولو في باطنه فيحرم المريد الفائدة ويصير يستصغر شيخه ويحتقره لقبوله هديته وأكله من طعامه كما سيأتي بسطه ان شاء اللّه تعالى في هذا الباب واللّه أعلم . ومن شأنه ان لا يطيع في شيخه عدوا ولا بحالة فضلا عن كونه لا يصاحبه إلا لضرورة شرعية ، وايضاح ذلك ان شيخه لا يكون مسلما الا لأمر شرعي دعاه إلى ذلك ، وإذا كانت معاداة الشيخ انما هي بوجه شرعي فينبغي للمريد ان يقلد شيخه في أن ذلك العدو يسوغ هجره وكراهته شرعا يعني كراهة افعاله لا ذاته ، وذلك كما يقلد الناس المجتهد من غير مطالبته بدليل . وكذلك من أدبه ان لا يباعد لشيخه صديقا ولا يباغضه ولا يصغي قط لقول من مترض على شيخه في تصدره لنصح العباد كما يقع فيه طائفة من الجهّال
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 50 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى