تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
بها عن عبادة ربه ويشوش عليه الحضور مع ربه عز وجل اما الخواطر التي لا تستقر فلا ينبغي له ذكرها لأنها مغفورة وتستغرق العمر كله إذ هي سبعون ألف خاطر في اليوم والليلة عدد الملائكة الذين يدخلون البيت المعمور كل يوم فان جبريل ينزل كل يوم نهرا فيغتسل منه ثم ينتفض فيقطر منه سبعون ألف قطرة فيخلق اللّه تعالى من كل قطرة ملكا هكذا قال الشيخ محيي الدين ابن العربي في الفتوحات المكيّة . ثم لا يخفى عليك أيها المريد انه لا ينبغي للشيخ التصريح بالخواطر المذمومة على رؤوس الأشهاد الا ان كانوا كلهم من أهل الصدق ، اما إذا كان هناك أخلاط فلا ينبغي التصريح بشيء من ذلك لما يترتب عليه من الآفات أقلها الاستهزاء باهل الطريق وإساءة الظن بهم . ودليل القوم في شكواهم الخواطر لاستاذهم ما رواه البغوي في كتاب المصابيح وصححه بعضهم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : جاء ناس إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا يا رسول اللّه اننا نجد في نفوسنا ما يتعاظم أحدنا ان يتكلم به ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : أو قد وجدتموه ؟ قالوا نعم فقال : ذلك صريح الايمان انتهى ، فإنه يفهم من هذا الحديث انه ينبغي للمريد الصادق وان علت مرتبته ان لا يتخلف عن مجلس شيخه ولو بعدت داره ليزيده من فضله إذ الشيخ باب رحمة اللّه للمريد لأنهم ما جاؤوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم الا من محل بعيد عن مجلس النبي صلى اللّه عليه وسلم . ويستفاد من قول الصحابة رضي اللّه عنهم في الحديث انا نجد في نفوسنا أن تربيتهم كانت كملت وان سؤالهم انما كان في المعارف الإلهية والتجليات الربانية التي يخاف من النطق بها الوقوع بالكفر كما أشار اليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله لهم ذاك صريح الإيمان ، وان سؤالهم لم يكن في شيء من مبادئ السلوك كاصلاح فرائضهم وسننهم لان ذلك لا يتعاظم في نفس المؤمن السؤال عنه . ويستفاد من الحديث أيضا ان للمريد إذا عرض خاطره المحتمل للخير والشرّ بملأ من الناس يكون بالإشارة والكتابة دون التصريح بحقيقة الامر فإنهم أخبروه بطريق الإشارة كما تقرر وانه ما منعهم من التعبير عنه الا التعظيم للّه عز وجل . ويستفاد من قوله صلى اللّه عليه وسلم أو قد وجدتموه بهمزة الاستفهام ان للأستاذ ان يسأل مريده عن حاله وان كان يعلمه ويظهر للمريد انه لم يطلع على خواطره خوفا ان يخجله ويهتك سريرته عنده . ويستفاد أيضا من قوله صلى اللّه عليه وسلم للصحابة ذلك صريح الايمان ان للأستاذ ان يمدح المريد إذا لم يخف عليه الوقوع في عجب أو نحوه . ويستفاد من الحديث أيضا انه ليس للأستاذ ان يستفصح المريد عن حالة تحقق بها وأدركها ذوقا انما الواجب عليه في الطريق ان يصححها له بالجواب ويقره عليها كما يقره على جميع الأفعال القلبية إذا وافقت الشرع ، وانه ليس المريد ان يكتم عن أستاذه شيئا من الأمور التي أشكلت عليه في الباطن . فقد علمت أن طريق شكوى الخواطر طريق صحيح على الكتاب والسنة خلافا لمن أنكره من الجهلة ، لكن يحتاج الشيخ الذي يزنها للمريد إلى الاطلاع على محل تلك الخواطر من حضرات الأسماء الإلهية فان الجاهل بتلك الحضرات لا يعرف