فبالسياسة ، وإذا جلس المريد في موضع لا يمر فيه أحد وجاع فلا بد أن اللّه تعالى يفتح عليه اما بالصبر واليقين وإما بشيء يأكله حتى يفاجئه اليقين الكامل فإذا فاجأه اليقين الكامل وعرف الشيخ منه أنه تساوى عنده الجلوس في الزاوية والجلوس في البرية على حد سواء فهناك يصلح أن يجلس عنده في الزاوية واللّه أعلم . ومن شأنه ان يلزم الأدب مع شيخه ولا يتجسس له قط على حال ولا حركة ولا سكون ولا يتعشق إلى ذلك ولا يقف له على نوم ولا طعام ولا شرب ولا غسل من جنابة ، وكل مريد تجسس على مثل ذلك حصل له المقت لان غالب المريدين ضعفاء الحال . وإذا اطلع على شيء ربما نقصت حرمة شيخه في قلبه لجهله بأحوال الكمل ومعرفة مشاهدهم . قالوا وليس للشيخ ان يسامح المريد في تجسسه على حاله بل الواجب عليه اصطلاحا هجره وزجره مصلحة له . وقد قالوا : خصلتان إذا فعلهما المريد اتلف كل شيء رباه له الشيخ وهما كثرة الأكل والاطلاع على نوم الشيخ أو أكله أو جماعه فليحذر المريد الصادق من مثل ذلك . ومن شأنه ان يزيد في الاعتقاد في شيخه كلما استتر بين الناس فان الصادقين هكذا يكونون كلما طال عمرهم ازدادوا خفاء . وقد قال الرازي رحمه اللّه : قد جرت سنة اللّه تعالى في الكمّل من أوليائه ان يسترهم عن من ليس من اضرابهم حتى لا يكاد يعرفهم أحد من أهل الظاهر . وفي الحديث ان اللّه تعالى يقول : « ان أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري » قلت يحتمل ان يعرف حقيقتهم غيره تعالى أو لا يعرفهم قبل كونهم أولياء بالفعل غيره أو لا يعرفهم بعد كونهم تحت قبابه غيره ويحتمل غير ذلك واللّه تعالى أعلم . قال وسبب اختفاء الكمل من الواصلين قلة صدق الطالبين فان غالب المريدين صار طلبهم للطريق مخلوطا بالحظوظ النفسانية والأهواء المضلة عن سواء السبيل لا سيما وقد ظهر أقوام كثير ادعوا معرفة الطريق وليسوا باهل لذلك فقاس الناس الصادقين على غير الصادقين ، وراج أمر الكذابين عند الامراء والأكابر وتعطل أمر العارفين وصار جلاس الكاذبين يرجح على جلاس الصادقين ، وصرت تقول لغالب الناس فلان من أولياء اللّه عز وجل فلا يصدقك ويقول كل هؤلاء مصابون مراءون .
ومن ثم قال الرازي رحمه اللّه : يجب على المريد الصادق ان لا يبادر لصحبة كل أحد بل يتمهل ويتربص وينظر في أحوال مشايخ بلده فكل من رآه زاهدا في الدنيا يحب الخمول ويكره الشهرة وأعماله موافقة للكتاب والسنة لا يكاد يجد كاتب الشمال شيئا يكتبه عليه وأوقاته محفوظة عن الضياع لا تجده إلا في عمل مشروع ، فمثل هذا يجب على المريد ان يتتلمذ له ويعكف على خدمته ، لا سيما ان شهد له بالصدق فقراء عصره وكان جالسا باذن من شيخ صادق واللّه أعلم . ومن شأنه ان لا يقنع في طريق فقره بالآباء والجدود كما عليه أولاد غالبية المشايخ بل يجب عليه ان يتخذ له شيخا يربيه فليست المشيخة بالإرث انما هي بالجد والاجتهاد .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 43
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٤٣