الشيخ ، إذ النفس تشتاق لذكر مناقبها عند من لا يعرفها إلا من يشاء اللّه . وبالجملة فليس للمريدين الاجتماع ببعضهم بعضا سواء كانوا جماعة شيخ واحد أو جماعة شيخ آخر فان آفات ذلك كثيرة ، وليس لهم الاجتماع إلا في مجلس الورد أو بحضرة الشيخ . وكل شيخ سامح مريده في الجلوس في مجالس القيل والقال فقد غشه ، إلا أن يسبق لذلك المريد الشقاوة بأن صار الشيخ ينهاه عن مثل ذلك فلم يسمع ، فحينئذ للشيخ ان يسكت عنه إذا أدّى اجتهاده إلى أن السكوت عنه أنفع لدينه من حيث قلة صدور المخالفة منه . أما غيره فعلى الشيخ النصح وعلى المريد السمع . وقد كثرت خيانة المريدين للمشايخ ولم يحصلوا من طريق الإرادة سوى الاسم فقط ، فليوطن الشيخ نفسه على عدم نفع أكثر تلامذته به ، كما درج عليه أكثر الأشياخ الماضين ، فربما لقن الشيخ الألف وأكثر فلا يفلح منهم إلا واحد .
وسمعت سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : ليحذر الشيخ في هذا الزمان من غالب المريدين أشد الحذر فان أكثرهم غير صادق ويفارقون شيخهم ولو على طول ويجتمعون بأعدائه ثم يصيرون يقعون فيه عندهم ويقولون لمن قال لهم كيف فارقتم شيخكم ما كل ما يعلم يقال ولو وجدناه على شيء ما فارقناه فيزكون نفوسهم ويجرحون شيخهم ، قال : وما حدثنا إلا بما رأيناه وقع من بعض أصحابنا والنصح من الإيمان قلت : وايضاح ذلك ان جميع بني آدم تحت أسر القدرة الإلهية فيتغيرون مع الأنفاس وما خرج عن ذلك إلا المعصوم ، فالعاقل من لم يعول على أحد لان ذلك الاحد لا يقدر على حفظ نفسه من التغيير بل تتغير قهرا عليه واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يصحب الشيخ للتربية فقط دون علة أخرى من أكل وشرب ووظيفة ونحو ذلك . ومن دخل في صحبة الشيخ بعلة من هذه العلل أو غيرها لا يفلح أبدا ما دامت تلك العلة فيه ، وإذا تفرس الشيخ من المريد أنه أشرك في صحبته للتربية علة أخرى من أكل أو غيره وجب عليه ان يخرجه عن ذلك ويأمره بالأكل مر عمل يده وكثرة الذكر منفردا حتى يربي له يقينا ، فان تربية اليقين للمريد مقدمة على الاشتغال مع الجماعة بالذكر وغيره ، ومن هنا عدم أكثر المجاورين عند الشيخ الانتفاع بالشيخ لكونهم عبيد بطونهم .
وكان الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه اللّه يقول : من المحال ان يتربى للمريد يقين مع كون الشيخ ينفق عليه ويهيىء له ما يأكل ويلبس ، وكل مريد تفرس الشيخ فيه الميل إلى ذلك وجب في اصطلاحهم على الشيخ أن يخرجه ويأمره بالجلوس في الخرابات والمواضع التي يقل مرور الناس فيها ولا يعرفه فيها أحد ، وكل موضع عرفوه فيه يتحول منه ويقول له :
عليك بالتجريد والاشتغال باللّه تعالى على الصفاء . وليمده الشيخ بالهمة فان فقدها
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 42
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٤٢