المريد يجنح إلى استعمال عقله في النظريات ولا يرجع إلى رأي شيخه ان يطرده عن منزله وإلا خيف عليه ان يفسد بقية أصحابه إذ المريد الصادق ليس له نظر إلى غير ما يقوله شيخه ابدا واللّه أعلم .
ومن شأنه إذا سقطت حرمة أستاذه من قلبه ان يخبر أستاذه بذلك ليداويه من هذا المرض العضال ، إما بطرده عن صحبته ، واما باستعمال ما يزيل عنه الحجب التي طرأت عليه بواسطة وقوعه في معصية أو نحوها ، وإذا طرده فليكن ذلك بالقلب دون اللفظ إلا بسياسة تامة فان المنكر على الشيخ من أكبر الأعداء وليس له ان يحتمله خوفا من افساد بقية الفقراء .
وأكثر من يقع في هذا المرض الذين يجالسون الشيخ كثيرا ، ولذلك قالوا لا بد للشيخ من ثلاثة مجالس : مجلس للعامة ومجلس للخاصة ومجلس يعاتبه فيه كل مريد على انفراده ، ثم لا يجالس كل نوع إلا غبا يوما بعد يومين أو بعد أيام ، مصلحة للمريد لا تكبرا وقياما للناموس الطبيعي . وشرطه في مجلس العامة أن لا يترك أحدا من المريدين يحضر معهم فيه ومتى سامحهم في الحضور فقد غشهم ، قالوا ويكون مجلسه للعامة في ذكر ترغيبهم في الصلاة والصوم والصدقة ، وبيان ثمرة ذلك ، ولا يخرج بهم إلى ذكر شيء من الأحوال والكرامات وما كان عليه الأكابر لأنهم لا يقدرون على المشي عليه . وشرطه في مجلس الخاصة أن لا يخرج عن نتائج الأذكار والخلوات والرياضات ، وبيان الطريق الموصلة إلى ذلك . وشرطه في مجلس الانفراد مع الواحد من أصحابه زجره وتقريعه وتوبيخه وتصغير أعماله الصالحة في عينه ، ويقول له حالك يا ولدي ناقص عن مقام الصادقين وينبهه على دناءة همته ، فعلم أنه لا ينبغي للمريد أن يطلب من الشيخ أن يأذن له في الجلوس معه كلما أراد ، فان الشيخ وان لم يكن عنده أحد من الخلق فهو حاضر بقلبه مع ربه لا يسعه أن يلتفت إلى أحد سواه كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لي وقت لا يسعني فيه غير ربي » فافهم .
وقد تقدم في الباب انه لا ينبغي للمريد أن يكلف الشيخ بالجواب إذا ذكر له واقعة وقعت له أو سؤالا في معنى أحوال الطريق بل يرضى عن الشيخ إذا لم يجبه على ذلك ، ولكن قال الأشياخ ينبغي له إذا لم يجبه عن سؤاله أن يعطيه من الأعمال ما يكشف حجابه عما سأل ليرقيه إلى ما هو أعلى وأشرف مما طلبه إذا كان أهلا لذلك ، فان من سبق علمه منزلته ربما اكتفى بالعلم وادعى مقام شيخه من غير ذوق واللّه أعلم .
ومن شأنه ان ينشرح إذا منعه شيخه من الجلوس مع اخوانه أو مع تلامذة شيخ آخر فان المضرة بذلك سريعة للمريدين ، لا سيما ان كان المريد ضعيف الاعتقاد في شيخه ويخاف عليه التزلزل بل ولو كان ثابتا يخاف عليه من الرياء والوقوع في تزكية نفسه عند جماعة ذلك
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 41
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٤١