تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
كان مخلصا في علمه فهو جليس اللّه كالذاكر للّه على حد سواء فما امره بحضور مجلس الذكر لما رأى عنده من الرياضة وحب الشهوة فأراد له كثرة الذكر لينجلي قلبه ويرفع حجابه فيدرك وقوعه في الرياء والعجب ونحو ذلك فيستغفر منه ويتوب ، وقد كان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه يقول : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ، قال بعض العارفين : مراده العلم الذي لا يدخله رياء ولا سمعة حتى لا يعارض النصوص التي جاءت في عذاب الذين يراءون بعلمهم . وكان سيدي يوسف العجمي رحمه اللّه يقول : ينبغي لكل مريد تخلف عن مجلس ذكر بغير عذر أو غير ذلك من مجالس الخير ان يوبخ نفسه بحضرة اخوانه ويقول مثلا : يا فوزكم ، حضرتم المجلس وجالستم ربكم عز وجل ، ويا شقاوتي تخلفت عنه ! فلعل ذلك التوبيخ يكون جابرا لذلك الخلل . ولا ينبغي لمريد ان يسامح نفسه في ترك التوبيخ ابدا لأن في ذلك استهانة بفوات مجالسة اللّه عز وجل وباعثا للاخوان على عدم احتفالهم . وفي الحديث : من لم يكثر ذكر اللّه فقد برئ من الإيمان . وفي القرآن في صفة المنافقين :
« وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا »
. وبالجملة فمتى كان المتخلف عن حضور مجلس الذكر لو عرض عليه في حضوره ذلك المجلس ألف دينار مثلا لم يتخلف فهو كاذب في تخلفه عن الذكر لضرورة فان ذكر اللّه تعالى ومجالسته لا يعادلها شيء من الدنيا والآخرة . ولعل أكثر المتعللين بالضرورات لو وعد أحدهم بدينار واحد كلما حضر المجلس لأزال ضروراته كلها قبل وقت المجلس خوفا على فوات ذلك الدينار ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ومن شأنه انه يمتثل امر شيخه ونهيه إذا قال له لا تمد رجليك الا لضرورة أو لا تقرأ القرآن بعوض من الدنيا وان كان ذلك جائزا بالشرع لان الشيخ انما يأمره بالترقي ، وقراءة القرآن بالعوض لا ترقي فيها عند القوم ، وكل مريد فتح ذلك الباب في زاوية شيخه فقد أساء الأدب في حق شيخه وحق اخوانه وربما عوقب على ذلك بالأمراض التي يصرف فيها أكثر مما جمعه من القرآن . وكذلك من شأن المريد انما يسد في وظيفة كل من غاب من اخوانه في الزاوية بغير معلوم احتسابا لوجه اللّه عز وجل . قالوا : ويحرم على المريد ان يخذل كلمة الشيخ في الزاوية بالباطل ، كأن يريد الشيخ اخراج أحد منها لمصلحة فيعارضه بنفسه وباخوانه ويقولون بأي ذنب تخرجه ؟ وفي ذلك خراب امر الزاوية ، بل الواجب عليهم ان يشدوا عضده في ذلك ، ثم إذا حصل له التأديب يشفعون في رجوعه بإذن الشيخ . وسمعت الشيخ سيدي علي المرصفي يقول : من شرط أدب المريد مع الشيخ ان يعادي من عاداه ويوالي من والاه فقد ورد في الحديث الحسن ان اللّه تعالى يأمر ببعض العباد إلى النار فتقول الملائكة يا رب انه كان كثير الصلاة والصيام والحج ويذكرون شيئا من القربات فيقول اللّه عز وجل : قد كان كذلك ولكنه كان لا يوالي من والاني ولا يعادي من عاداني فتقول الملائكة سحقا سحقا . وكذلك لا ينبغي للمريد ان يفتح باب اللوث لشيخه إذا دخل الزاوية