فهو مقامه الحقيقي وإذا نطق القوم ظهرت مراتبهم ، وقد وقع ان مريدا حج بغير اذن سيدي أبي العباس المرسي رحمه اللّه فقال له الشيخ لما رجع كيف كان حجك في هذه السنة ؟ فقال كان الماء كثيرا والحشيش كثيرا والبقسماط كثيرا ، فقال له الشيخ باللّه العجب أسألك عن الحج وكيف كان أدبك فيه مع اللّه تعالى فتجيبني بالعلف ! وصار الشيخ يتبسم متعجبا ويقول قد عرفنا مقامك يا أخي .
وكان كثيرا ما يقول : إذا ضحك الشيخ في وجه أحدكم فاحذروه ولا تجالسوه الا بالأدب فإنه قد يكون سيفا ونقمة في حال كونه غيثا ورحمة .
وكان يقول : لا تفرّط قط في كلام غرسه شيخك في قلبك فربما لم يثمر الا بعد موت الشيخ ، لان زرعهم لا يخيب ان شاء اللّه تعالى ، فاحتفظ يا ولدي على كل كلام تسمعه من الشيخ ولو لم تجد له ثمرة عقيب سماعه واللّه أعلم . ومن شأنه ان يفتح لإخوانه باب الأدب مع الشيخ ويغلق عليهم باب سوء الأدب معه فلا يكون مقداما لإخوانه في سوء الأدب مع الشيخ مطلقا ، وان وقع انه أساء أدبه معه فليبادر وجوبا إلى كشف رأسه والتوبيخ لنفسه ليرتدع غيره ، ولو تأمل المريد بعين الانصاف لوجد نفسه ظالما على الشيخ وانه لا يتشوش من المريد الا فعله شيئا ينقص دينه . ومن أعظم ما يقع فيه المريد من سوء الأدب مع الشيخ عدم حضوره مجلس الذكر الذي رتبه للمريدين صباحا ومساء ، فان مدد كل شيخ يكون في ورده ومن ترك ورد شيخه حرم مدده ، ولكن ان كان للمريد عذر في تخلفه عن المجلس فليذكره للشيخ فان ظهر له صدق عذره والا ناقشه وبين له عدم صدقه ليتوب عن مثل ذلك . ومن علامة صدقه الندم على فوات ذلك المجلس حتى تضيق عليه الدنيا بما رحبت ، ويترك غداه وعشاه ذلك اليوم لشدة الأسف ولا يصير له وجهة إلى الناس ولا إلى ضحك ولا لعب نظير من مات له ذلك اليوم ولد عزيز فلا يزال في تشويش حتى يرضى عنه شيخه ، فإذا رضي عنه الشيخ فذلك عنوان على أن اللّه تعالى قبل عذره في تركه ذكره ذلك المجلس . واعلم يا أخي انه يتأكد على جيران الشيخ حضور ورده كل يوم وهم أولى بذلك من الأباعد الذين يسمعون الذكر وهم جالسون في بيوتهم ولا يذكرون اللّه تعالى لا في بيوتهم ولا في الزاوية . بل الذي ينبغي لجماعة الشيخ وجيرانه ان يكونوا هم الجالبين الناس إلى حضور ذكر اللّه عز وجل ، فإنها حضرة اللّه التي لا يشابهها شيء من حضرات أعظم ملوك الدنيا . آه آه آه من صحبة من اغفل اللّه قلبه عن ذكره واتبع هوى نفسه وكان امره فرطا .
قال سيدي علي المرصفي رحمه اللّه : ولا ينبغي للمريد ان يتعلل في حضور مجالس الذكر بالاشتغال بالعلم فان شيخه لو رآه مخلصا في علمه لما قال له اتركه واذكر اللّه ابدا لأن من
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 38
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٣٨