تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وكان يقول : ينبغي للمريد إذا سمع شيئا من أستاذه وخاف نسيانه ان يستودعه اللّه تعالى فإنه لا تضيع عنده الودائع فينبغي فعل ذلك للعالم إذا خاف نسيانه شيئا من أحكام الشريعة لينفع به الناس . وكان يقول : ما توقف مريد في فهم كلام شيخه الا لجهله وشدة نسيانه فالواجب عليه العمل على جلاء مرآة قلبه ولا يقول لمعلمه أوضح لي الجواب عن ذلك ؛ فإنه لا فائدة فيه في طريق القوم ، لأنهم لا يقنعون بالعلم وانما يطلبون الذوق بالباطن ليطابقوا بين اللسان والقلب ويخرجوا من صنعة النفاق . وكان يقول : عليكم بمعانقة الأدب مع أستاذكم ولو باسطكم فان قلوب الأولياء كقلوب الملوك تنقلب من الحلم إلى الغضب والانتقام في لمحة ، فإذا ضاق ذرع الولي هلك من يؤذيه في الوقت ، وإذا اتسع حمل الأذى من الثقلين . ومن شأنه ان لا يقيم ميزان عقله على كلام شيخه حتى لو قال له لا تحضر مجلس فلان العالم الواعظ فلا ينبغي له حضوره وذلك لان شيخه أمين عليه في كل شيء يرقيه أو يوقفه أو يؤخره ، وغير شيخه لم يلتزم ذلك معه فربما علّمه ما يضره ويورثه الاعجاب بنفسه مثلا فيهلكه ، لا سيما ان كان أعذب لفظا من شيخه . والنفس من شأنها الخيانة فتفرح بحضور مواضع البحث والجدال ومغالبة الخصوم ولا تقوى على العمل بما تسمع بخلاف مجلس الشيخ فان غايته تضييق على المريدين ومناقشة لهم ومخالفة لما تهواه نفوسهم فربما نفرت نفس المريد الضعيف الحال من ذلك . وكان يقول : للشيخ ان يخرج المريد من ورده إلى ورد آخر فإذا نهاه عن ورد بادر إلى امتثال أمره ، وليس له الاعتراض عليه بباطنه ويقول إن الورد خير فكيف ينهاني عن فعله فربما رأى الشيخ في ذلك الورد ضررا على المريد بدخول علة قادحة في الاخلاص مثلا ، ورب عمل جاء الشرع بأفضليته فدخلته النفس فصار مفضولا ولا يشعر المريد بذلك . وكان الامام أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه لا يجهر في قراءته بالليل ، وكان عمر رضي اللّه عنه يجهر ، فأخبرا بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال لأبي بكر : لم لم تجهر ؟ فقال قد أسمعت من أناجي وقال لعمر : لم تجهر ؟ فقال : أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر : ارفع قليلا وقال لعمر : اخفض قليلا . . وذلك ليخرجهما عن مرادهما لمراده لأنهما كانا في مقام التعليم والتربية لهما . وكان يقول : إذا سألك عن شيء من أحوالك الباطنة فأجبه على الفور من غير تفكر فان الشيخ يريد ان يعلم مقامك الثابت لك وتفكّرك انما تريد به الجواب بما هو أعلى من مقامك فيحصل بذلك التلبيس على شيخك وتقع في الغش لنفسك . وكل شيء نطق به الانسان فورا
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 37 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى