وتخفيف الأوامر ثم إذا رسخوا في الطريق فله التحكم فيهم كيف شاء فيزجرهم بمرّ الكلام ويمنعهم عن لذيذ الطعام ومن مجالسته على الدوام وله غير ذلك .
وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه اللّه يقول : من أراد الترقي على يد شيخه فلا يدخل عليه قط إلا وهو تارك لمعلوماته الدنية « 1 » ليدله على المعلومات العلية . أعني بالعلية دقائق العلوم وبالدنيّة ما كان سهل التناول قريبا من الأفهام ، وإلا فالعلوم ليس فيها شيء دني ، وإنما تخفض العلوم أو ترفع بالنية لأنها كلها هي علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المشار إليه بقوله : ( فعلمت علم الأولين والآخرين ) .
وكان يقول : إياك أيها المريد أن تستصغر شيئا من أعمال شيخك ، فإن ورد الأولياء الأكابر إنما هو اسقاط الهوى ، ومحبة المولى ، ورد النفس عن الباطل في عموم الأوقات ، وللمريدين قدم في مثل ذلك .
وكان يقول : أشياخ الناس في كل زمان ، علماء ، وعبّاد ، وزهاد وعارفون بأدب الشخص مع أمثاله ، فأدبه مع العلماء ألا يحدثهم إلا بالعلوم المنقولة والروايات الصحيحة ، فاما أن يفيدهم وامّا ان يستفيد منهم ، وذلك غاية الربح معهم . وأدبه مع العباد والزهّاد أن يرغبّهم في الزهد والعبادة ، ويحلي لهم ما استمدّوه منهما . فإذا أقبلوا عليه ، فليفتح لهم شيئا من معرفة طريق العارفين التي هو فيها ليرفع همتهم عن الاعتماد على أعمالهم واستبعادهم أنهم يدخلون النار . وأدبه مع العارفين أن يحفظ لسانه وقلبه ، قياما بواجب حقهم وإن لم يأخذوه هم بذلك .
ومن شأنه أن يلزم الأدب مع شيخه ، ولا يطلب منه قط كرامة ولا وقوع خارقة ولا كشفا ولا غير ذلك ، فمن طلب من شيخه كرامة حتى يتبعه فهو إلى الآن لم يؤمن بكون أستاذه من أهل العلم بطريق أهل اللّه .
وقد كان الشيخ أبو العباس المرسي رحمه اللّه يقول : احذر أيها المريد أن تطلب من شيخك كرامة ، حتى تتبعه في أمره لك بالمعروف ونهيه لك عن المنكر ؛ فإن ذلك سوء أدب وهو دليل شكّك في دين الاسلام ، لان ما دعاك إليه شيخك ، ليس هو شرعه ، إنما هو شرع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهو تابع لا متبوع . ولولا أن رحمة اللّه تعالى سبقت غضبه ، لكان كل من خالف أمر داعيه إلى خير ، هلك من وقته . وكان يقول : إياك أن تظن أيها المريد أن أستاذك لا نور له قياسا على حالك أنت ، فتحرم فوائده عقوبة لك ، فلو كشف لك عن نوره لأضاء ما بين السماء والأرض .
هامش
( 1 ) القريبة .