حواس شيخه بالقرب الشرعية الملائمة له فتحت له أبواب تلك الحضرة ، ومن شأنه أن لا يأتي شيخه قط إلا بنيّة أن يهتدي بهديه ، ولا يحصل له ذلك الا بأن يرى نفسه على ضلال وغواية عن طريق أهل الهدى ، وهو مضطر إلى كشف تلك الغمة عنه ، وإلا فمتى رأى نفسه مستغنية عن تأديب شيخه له فلا يقدر على القيام بواجب هذا الأدب ، ولو كان على عبادة الثقلين .
وكان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول : مدد الأستاذ حكم حبة وضعها في أرض قبول تلميذه ثم سقاها بتفهمه وتأييده ، فمهما ظهر من التلميذ أو عنه فهو من ثمرات تلك الحبة وثمراتها ونتائجها ، وان كثرت فإنما هي ملك لغارس الحبة في ارض محل استحقاقه ، فكل ما ظهر من التلميذ من رشد وصلاح فإنما هو في الحقيقة حق لأستاذه ، فليحذر ان يظن في نفسه انه ظفر بشيء لم يظفر به أستاذه ، ومن ظن ذلك بنفسه فهو من أجهل الجاهلين بأستاذه ، واللّه أعلم . ومن شأنه أن لا يبدأ بنفسه بالسؤال عن شيء مطلقا الا لضرورة كأن يسأله عن شيء من الأحكام الشرعية أو عن شيء يأكله هو وعياله في ذلك الوقت بخلاف ما ليس بضروري ، فإنه لا ينبغي ان يبتدئ الشيخ بالسؤال عنه بل يصبر حتى يبدأه به شيخه ، وان كان يعتقد في شيخه انه لا يعرف خواطره فبئس ما اعتقد . وقال الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام ( فان اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتى احدّث لك منه ذكرا ) وإيضاح ذلك أن المريد إذا بدأ شيخه بالسؤال فقد أحوجه إلى الجواب وفي ذلك ترتب حق له على أستاذه يصير يطالبه به بالظاهر أو بالباطن وربما كان الجواب عن ذلك يورث المريد الزهو والعجب على الإخوان ، فان قال قائل : ان الأعراب كانت تبدأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالسؤال ويقرهم على ذلك ، فالجواب ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان مشرعا بوحي من ربه عز وجل والضرورة داعية إلى سؤاله عن ذلك ، وكلامنا فيما لا ضرورة اليه ، كما تقدمت الإشارة اليه ، فلو توقف الناس على عدم بداءته بالسؤال لضاعت أكثر احكامه الشرعية ، بخلاف الشيخ فإنه يسأل عن أمور قد تقررت في الشريعة لا يخشى ضياعها وكان آمنا على أصحابه من وقوعهم في العجب بعلمهم أو الإخلال بشيء من المأمورات أو اجتناب شيء من المنهيات .
وكان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول : لا تغتر أيها المريد بحلاوة كلام شيخك أستاذك لك وتظن انك صرت عنده في أعلى مقام .
كيف يدعو الداعي ؟
وإن من سياسة الداعي إلى اللّه تعالى أن يؤلف الضعفاء بالكلام الحلو والإحسان