تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
تزيده تلك النظرة إلا غفلة واستغراقا في سوء الظن به وبسائر الأشياخ ، وذلك لأنه حجب يورث الحجاب عن رؤية الأحباب ، وربما يقول في نفسه أي فرق بيني وبين شيخي وقد أطعمه اللّه مثله ؟ فيتلف بالكلية . ومن شأنه أن يرى كل خير أصابه من اللّه ببركة أستاذه فان نور كل مريد من نور أستاذه . وكان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول : جميع ما تراه فيك من المدد فهو من فيض أستاذك وجميع ما تراه فيه من النقص فهو صفتك ،
( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ )
فان رأيت شيخك زنديقا فأنت زنديق في الغيب الأزلي فإنه مرآة الوجود وإن رأيته صديقا فأنت صديق في علم اللّه . وأما حقيقة الشيخ فلا يعرفها إلا من أشرف على مقامه ، أو كان أعلى مقاما منه ، وقد قال مريد مرة للشيخ أبي يزيد : رأيت وجهك يا سيدي هذه الليلة وجه خنزير ، فقال : صدقت يا ولدي فإنني مرآة الوجود ، فرأيت وجهك فيّ فحسبت أنك أنا فطهّر نفسك يا ولد من صفات الخنازير ثم انظر إليّ تجدني غير خنزير . وكان يقول : صورة الأستاذ الناطق مرآة سرّ المريد الصادق إذا نظر فيها ببصيرته شهدها على صورته الباطنية ، فأول مبادئ أمر المريد حينئذ أن يتجلى له طويته بصفات أهل الصلاح والولاية ، فإذا كشف لبصيرته عن أستاذه رأى صورة صلاحه وولايته في صفاء مرآة صورة أستاذه ، هو الصالح الولي ، فيستمد من بركاته ملاحظاته المتوالية وهممه العالية ، ثم لا يزال يطلب من أستاذه الدعوات المنيفة والخواطر الشريفة ، ويتودد إليه تودد المتأنّس حتى ينفخ إسرافيل في صور العناية صورة قلبه روح التخصيص الآدمي ، فهنالك يشهد أستاذه هو آدم الزمان ومالك أزمة الأكوان بحكم الإرث لصاحب ذلك المقام ، فيعظمه تعظيم الشاب لأبيه المهاب إلى أن تنفر صورة الآدمية بعد رفع الحجاب عن جمال ما خصه من نفحة الروح المحمدية ، وهناك يشهد أستاذه محمديّ المقام فيكون له خادما ولا يجعل له سواه أربا إلى أن تغشى سدرة سره الأنوار الرحمانية ، فينظر إلى أستاذه فلا يرى إلا واحدا يتجلى له في كل مشهد على قدر طاقة الشاهد فيصير عدما بين يدي وجود ومحوا في حضرة الشهود ، فأول أمر هذا المريد توفيق وواسطه تصديق وآخره تحقيق . وبعد التحقيق يكون بداية السعادة واللّه أعلم . ومن شأنه الصبر تحت مناقشة الشيخ له ومخالفته لأغراضه ، فإن ذلك من أقوى دليل على أن الشيخ شم منه رائحة الصدق ، ولو أنه لم يكن شم منه ذلك لعامله معاملة الأجانب ، من الملاطفة والترحيب ، كما تقدم تقريره مرارا . فليثبت هذا المريد على مخالفة الشيخ أهويته عملا بإشارة أستاذه فإنها طريق لا تكون إلا بعد ان يموت المريد كذا كذا ألف موتة ، فإن كل مخالفة للهوى موتة ، والأهوية لا تحصر .