تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
يشهدونه وما دام في طور المماثلة لهم لا يكلمهم إلا بلسانهم ، ولا يعاملهم إلا بكيلهم وميزانهم ، ومن هنا قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفضلوني على موسى » ثم إنه بعد زوال حجاب البشرية عنهم قال لخواص أصحابه « أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي » فقبلوا ذلك منه ببشاشة وتصديق خالص ، ولو أنه قال ذلك لمن بشريته قائمة لتوقف وارتاب ، قال : وهكذا كل وليّ في حال ظهور بشريته للناس لا يقبلون منه أكثر كشوفاته الظاهرة الصادقة فضلا عن غيرها ثم إنهم يقبلون ذلك منه إذا رأوه من غير وجه بشريته . وكان يقول : لما كان الحق تعالى لا يغفر أن يشرك به فكذلك الأشياخ لا يغفرون أن يشرك بهم تخلقا بنظر مسمى أخلاق اللّه عز وجل ، فإذا رأيت أيها المريد شيخك يتشوش منك إذا أشركت في محبته شيخا آخر فإياك أن تسيء به الظن بل اشهد أن ذلك من أخلاق اللّه عز وجل الذي يقول :
« لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ »
ظهر على لسان وليه . وقد تقدم في الباب الأول إجماع الأشياخ على أنه لا يجوز للمريد أن يتخذ له شيخين وقالوا : كما أنه لا يكون للعالم آلهين ، ولا للمرأة زوجين ، ولا للرجل قلبين ، كذلك لا يكون للانسان شيخين ، وأجمعوا على أن كل مريد رأى أن علم شيخه لا يكفيه فليس له أن يتقيد عليه ، وربما كان أحد الشيخين غير محقق فيأمر المريد بما يوافق هواه لغير حكمة فيهلك ، وبالجملة فلم يقع لأحد قط أنه سلك الطريق ووصل إلى مقامات الرجال بين شيخين أبدا . وكان يقول : أقل أحوال المريد مع شيخه أن يكون له كالأم تؤثر ولدها بالراحات وتحمل عنه المشقات وتحبه على جميع الحالات وتوافقه في كل ما يهواه وتحمله على أحسن المحامل ، ولا تكاد تضيف إليه عيبا ولا نقصا ؛ والشيخ أحق بتلك المراعاة فإنه يهتم بأمر المريد عند ربه أعظم من اهتمام أمه به . وكان يقول : لا تقس بنفسك في أحوالك الظاهرة من العبادات والمجاهدات على حال شيخك ، فان الشيخ ولو قلّت أعماله الظاهرة فهو بباطنه ، وكل يوم من أيام الأستاذ عند ربه كألف سنة مما يعد المريدون عند ربهم .

لا تعترض على شيخك أيها المريد

وكان يقول : إياك أيها المريد أن تقف مع ظاهر شيخك بل اخرق إلى شهود قلبه ، وانظر ما هو فيه ، تعرف مقامه . فكل من نظر إلى ظاهر أستاذه فقط لم يحصل له به ابتهاج ، بل لا