وكان يقول : لا تقوم لشيخك بجزاء ولو خدمته إلى الأبد ، فإن فضل مرشدك إلى اللّه تعالى المفيض عليك من أمداده على نحو من فضل النبي صلى اللّه عليه وسلم على أمته وإن تفاوت المقام .
وكان يقول : مرشدك إلى الحق تعالى هو العين الّتي ينظر الحقّ بها إليك باللطف والرحمة ، وهو وجه الحق الذي يقبل بواسطته عليك ، ويرضى لرضاه ويغضب لغضبه ، فاعرف والزم وانظر ما ذا ترى .
وكان يقول : لا تطلب أيها المريد أن تحصر شيخك في سجن قيودك وحدودك ، فإنك إن لم تعرف أنه محيط بك فأنت تعرف أنه أكبر منك مقاما ، وكيف ينحصر لك الأكبر الأوسع في الأصغر الأضيق ؟ فشأن المريد أن يكون تحت طاعة أستاذه لا أن يطلب من أستاذه أن يطيعه .
وكان يقول : لا يظفر مريد بأستاذ إلا وذلك المريد مخصوص عند اللّه تعالى ولولا أنه مخصوص عنده ما جمعه على من يوصله إلى حضرته فسلّم لشيخك أيها المريد تسلم وتغنم .
وكان يقول : أستاذك بالنسبة إليك هو فضل اللّه عليك ورحمته ، فتحققك به خير من جميع ما استفدته منه
( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )
.
وكان يقول : إنما أستاذك أعلم بأحوالك منك لأنه حقيقة روحك .
وكان يقول : معرفتك بنفسك على قدر معرفتك بأستاذك .
وكان يقول : ما لم يرتفع عنك حكم المغايرة كلها لأستاذك فأنت بالحقيقة لا شك ضائع ، فارجع إلى ربك فاسأله أي فلا تقوم بالأدب مع أستاذك إلا إن رأيت من شدة القرب أنك هو ، وهناك يمدك بإمداده ، إذ حكم المغاير كحكم الفرع المقطوع من الشجرة ، لا يسري فيه شيء من ماء الشجرة ، وكأنه يقول : من كان لا يرى من أستاذه إلا وجه بشريته فقد غاب سعيه ولا يزيده ما كشفه له الحق المبين إلا إعراضا وتكذيبا ، إذ من شأن البشر عدم انقياده لبعضه بعضا وكراهته لكل من يرأس عليه فتصده تلك الكراهية عن سماع نصحه وإرشاده ولو بالقرآن ما لم تحفه العناية . وإلى ذلك الإشارة بنحو قوله تعالى : (
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
) وذلك لأنهم نظروا اليه من وجه بشريته ولو نظروا إلى وجه روحانيته وما أرشدهم به من الوحي والخصوصة ، لربما انقادوا اليه .
قال سيدي علي بن وفا رحمه اللّه : ومن ثم لا تجد الأستاذ قط يظهر لقوم إلا من حيث