تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
الكمال بغير أستاذه وهاديه فقد أخطأ طريق المقصود ، لأن الثمرة لا تكمل إلا بوجود النواة التي هي أصلها وكذلك المريد لا يكمل إلا بوجود أستاذه ، ومن شأنه إذا قدم أستاذه عليه أحدا من إخوانه أن يخدمه أدبا مع الأستاذ ، وليحذر أن يحسده فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوق السوء ، ولكن إن أراد التقدم على الإخوان فليطع شيخه ويتخلق بالصفات التي يستحق بها التقدم وهناك يقدمه شيخه كذلك على أقرانه فإن الشيخ حاكم عادل بين المريدين ، وهذا الأمر قلّ أن ينجو منه مريد .

كيف يحتفظ المريد بمحبة اخوانه له ؟

وكان يقول : من أراد ثبات الإخوان على محبته ، القاصي منهم والداني ، وأن يثنوا عليه بكل لسان ، فليقابلهم بالحلم والغفران ، وليتأمل في قوله تعالى :
( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً )
فأخبرك أنه ليس بعد الحليم الغفور من يمسكهما . وكان يقول : إذا كان أبو جسمك لا يحلّ لك أن تنتسب إلى غيره ، فكيف بأبي الروح الذي هو شيخك ؟ فإن أبا الروح هو الأب الحقيقي . وكان يقول : كل شيخ اشتغل بإرشادك ومناقشتك أكثر من بقيّة إخوانك فالزمه فإنه يريد أن يلحقك بمراتب الرجال . وكان يقول : من صدّق شيخه في كل ما يقول فهو رجل وإن كان أنثى ، ومن كاذبه فهو أنثى وإن كان ذكرا . وكان يقول : إذا عرفت أن شيخك يعرف الحق وأنه واسطة بينك وبينه ، فهو وجه الحق الذي يواجهك به ، فالزم طاعته تفز بالعز الدائم ، وكن كأنك من الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبّحونه وله يسجدون . وكان يقول : أخدم العارف بالحق تخدم ، وإياك أن تخالف شيخك على المشاهدة فتلعن وتطرد ، فإن إبليس لعن وطرد بتركه السجود لكونه كان في حضرة المعاينة ، وكم ترك غيره السجود والصلاة ، لكن لما كان هذا على جهل وحجاب أمهل ولم يعاجل بالعقوبة ، كما وقع لإبليس ، فإنه عجلت عليه العقوبة بإخراجه من حضرة اللّه الخاصة ، وإن كان قد حلم عليه من حيث الإمهال وتأخير الإهلاك إلى يوم القيامة .