تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
وكان يقول : إياك أن تقيس حال أستاذك على حالك ، فتهلك ولا تشعر ، لأن الشيخ إنما يبكي ويتضرع لأجل أتباعه ، حتى يقتدوا به في ذلك ، وربما بكى وتضرع للّه تعالى ليشفع فيهم حتى لا يعاجلهم الحق تعالى بالعذاب لأجل إصرارهم على الذنوب ، فتكون شفاعة غيبيّة فيهم . وكان يقول : من وجد من شيخه ضيقا وحرجا ومشقة ، ووجد نفسه نافرة مما يأمره به أو ينهاه عنه ، فليصبر وجوبا إن لم يصل إلى مقام الرضى وانشراح الصدر ، وليسأل اللّه تعالى كشف الحجاب حتى يطلعه الحق تعالى على مراد شيخه له من حصول الخير في الدنيا والآخرة ، فإنه لو كشف حجابه لذهب عنه الضيق والحرج جملة ، وبادر هو إلى ذلك الأمر . وتأمل يا أخي لو أمرك إنسان بحفر كوم عال لا يستنبط منه ماء كيف يثقل عليك ذلك ، فإذا أخبرك من تثق به أن تحت ذلك التراب كنزا من ذهب ليس دونه موانع ، كيف يخفّ عليك الحفر ونقل التراب ، ولو مكثت في ذلك شهرا وأكثر . فهكذا الحكم فيما يأمرك به أستاذك ، لا يخلو قط من فائدة ، وإنما كتم عنك ثمرة العمل خوفا عليك أن تعمل لأجل غرض دنيوي أو أخروي فيحبط عملك أو يفوت كماله ، فأراد منك ان تعمل للّه عز وجل امتثالا لأمره واللّه أعلم . ومن شأنه أن لا يحدّث نفسه بمفارقة أستاذه إذا صار علمه يتجلّى فيه بديهة ، بل يلازمه أبدا ما عاش ، فإذا كان من شأنه ذلك مع كونه قد صار كأنه هو فكيف يفارقه وهو يولد عنده بتعليمه المعلومات كالطفل الذي يرضع من ثدي أمّه فلعله يهلك . وقد كان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول : الزم الأستاذ فإنه يظهر سرّ الربوبية ، فربما أوحى إليك ربك في حجاب قلب شيخك من طريق الإلهام ، فإن قلبه مظهر سر الربوبية ، فعلى المريد أن يقف عند أمر أستاذه ولا يتعداه ، ولا يلتفت عن أستاذه يمينا ولا شمالا ، إذ ليس المريد من يتوجه بقلبه إليه غير الأستاذ ، وليس من مرتبته صحة التوجه إلى الحق تعالى لجهله به إلا أن يكون مضطرا . وكان يقول : من أرشدك إلى ما به تتخلص من غضب ربك عليك وتحصل به في رضوانه ، فقد شفع فيك عند ربك من هذه الدار ، لكن بشرط أن تطيعه وتقبل منه ما يرشدك إليه ، فإن لم تطعه ولم تقبل منه ما أرشدك إليه ، فلا تنفعك شفاعته فيك ، قال تعالى في حق أقوام :
( فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ )
. وكان يقول : روح المريد من روح الشيخ وعقل المستفيد من عقل المفيد ، وكل من أراد
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 28 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى