تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وكان الشيخ محيي الدين يقول : ما عاتب اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم الا لكونه اقبل على الأغنياء بحضرة الفقراء ، ولو أن الأغنياء جاءوه وحدهم لكان من كرم أخلاقه الاقبال عليهم انتهى . وسمعت سيدي عليّا المرصفي رحمه اللّه يقول : من الأولياء من امر بتعظيم صفات اللّه ، حيث ظهر العبد قيّما بها ، فيعظم الأمير على الفقير لظهوره بالتصريف في هذا الدار بخلاف الفقير ، فان من شأنه الذل والافتقار اللذين هما ليسا من صفات اللّه قطعا انتهى ولكن جمهور الأولياء على الأول واللّه أعلم . قالوا : وليس من شرطهم ان لا يكون لهم مال ، ولكن منهم من يكون له مال ، ومنهم من يكون فقيرا ، ومقام الفقراء يجمعهم كلهم . وقد ذكر الشيخ محيي الدين ان القطب قد يكون لا مال له فيخرج إلى بيوت أصحابه فيسألهم لطبيعته ما يقوم بها كالشفيع لها ، ولا يقدح ذلك في كماله انتهى واللّه تعالى أعلم . ومن شروطهم ان لا يجلسوا في مقام المشيخة الا ان اجلسهم أستاذهم أو نبيهم ، من طريق كشفهم الروحاني ، أو يجلسهم ربهم بما ألقى إليهم في سرهم من طريق الالهام الصحيح ، لان الشيخ إذا لم يكن عارفا بطريق السلوك ودواء المريدين ، وجلس يربي المريدين بما يأخذه بطريق الكتب طلبا للرئاسة ، أهلك نفسه وأهلك من تبعه . فان سياسة المريد لا بد منها ، والشيخ انما يسوس نفوس المريدين بنظير ما كان يسوسه به شيخه أيام بدايته من تأليف المريد بالكلام الحلو والاحسان اليه ، ومسارقته بالنصح شيئا فشيئا ، حتى يميل بالمحبة للشيخ ، ويصير والدا له في الولادة الطبيعية التي هي أول عمر الانسان الحقيقي ، فان حكم المريد قبل دخوله في طريق أهل اللّه الحقيقية ، لهو حكم الذي لم يولد ، كما أشار اليه قول عيسى عليه الصلاة والسلام : لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين . وقد أشار إلى ذلك سيدي علي بن وفا بقوله عن المتمشيخين في عصره بغير حق :
تمشيخوا من قبل ان يوجدوا * فعمرهم ضاع ولم يولدوا
حال عليهم حال اهلاكهم * من شاخ فالموت له مرصد
وهل نفوس همها وهمها * الا بواد وهمها مبعد
مشوا مكبين على وجههم * عميا عن العلياء لا يهتدوا
قد حسبوا الأرض سماء لهم * فاستقربوا ما هو مستبعد
وكل ما مالوا بأهوائهم * قالوا صعدنا وهم اخلد
فاعجب لمن شاخوا على صغرهم * في أرذل العيش سواء يجهدوا
رضوا بأن يعتقدوا سادة * وهم لأدنى وهمهم اعبد
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 148 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى