تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ومن شأنهم التجافي والتباعد عن ما للنفس فيه غرض من سائر الشهوات ، فلا يتغنى أحدهم في طلبه ولا يتمناه ، بل إن جاءه ذلك من غير تعب في تحصيله ومن وجه حلّ تخير فيه ، فان شاء اكله وان شاء تركه الا ان يكون في مقام المجاهدة للنفس ، أو مقام توفير اللذة إلى موطنها الحقيقي ، فيتعين عليه ترك الأكل وفاء بحق المقام ، كما كان عليه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأبو ذر واضرابهم من الأولياء . وليس لمن هو في هذين المقامين ان يتناول شيئا من طيبات الشهوات الدنيا . وقد ورد : الدنيا حرام على أهل الآخرة ، وقيل إنه من كلام أبي ذر وغيره ، قلت والمراد ان ذلك حرام من حيث الكمال في المقام ليوافق قواعد الشريعة المطهرة ، نحو قوله تعالى :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
، واللّه تعالى أعلم . ومن شأنهم القناعة ، وهي وقوف النفس عندما رزقت من غير تشوف إلى زيادة ، إذا حصل بين يدي العبد ذلك الرزق من غير مزاحم عليه اكل بقدر ضرورته وترك الزائد لغيره ، وليس بعد ذلك مقام في القناعة . فاعلم أن من يكون له كل يوم ما يكفيه الكفاية الشرعية ، ويسافر من بلاده البعيدة إلى السلطان ليرتب له شيئا زائدا أو يسافر إلى بعض مشايخ العرب ليأخذ منه شيئا من القمح أو العسل ونحوهما ، فهو بعيد جدا عن طريق المريدين ، فضلا عن العارفين الذين يزعم أنه منهم ؛ لأن من شأن القوم الشكر للّه تعالى على السراء والضراء . وذلك لأنهم يعتقدون انه تعالى اعلم بمصالحهم من أنفسهم ، فلا يطلبون زيادة على ما أعطاهم في يوم واللّه أعلم . ومن شأنهم ترجيح الخوف على الرجاء لكونه أكمل وأجمل في حق العبيد ، ولا يرجحون الرجاء إلا عند خوفهم ان يتحكم فيهم سلطان القنوط . وكذلك من شأنهم الانقباض في نفوسهم إذا رأوا منكرا في الشرع ايثارا للجناب الإلهي ، وشفقة على الفاعل لذلك المنكر . وليس لهم ان يقولوا هذا فعل اللّه ، فلا ينقبض منه ، لأنه جهل . فان الكامل يسمى ابا العيون فعين ينظر بها إلى فعل الحق فيجده في غاية الحكمة ، وعين ينظر بها إلى مخالفة العبيد وعصيانهم لأوامر ربهم فيغار للّه تعالى ، وفي الحديث انه صلى اللّه عليه وسلم كان يغضب إذا انتهكت حرمات اللّه عز وجل ، فعلم أن انكار المنكر لا يقدح في مقام التسليم لان كلاهما مأمور به شرعا واللّه أعلم . ولذلك من شأنهم غض الطرف عن فضول النظر والاسراع في المشي مع السكينة والوقار ، فيمشون مثل الجمل الموقور حملا ، وقد كان صلى اللّه عليه وسلم إذا مشى كأنه ينحط من صبب . ولذلك من شأنهم اصلاح ذات البين ، وأعظم أوقاتهم ان يطلع الحق تعالى على
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 145 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى