تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
سرائرهم فلا يجد فيها حبا لاحد الا باذنه ، ولا التفاتا إلى غيره . ولذلك من شأنهم التعامي عن عيوب الناس وسترها ونشر محاسنهم الا المبتدعة ، فإنه يجب عليهم التحذير منهم ، وذلك من باب الرحمة بالمسلمين حتى لا يزيد عذاب المبتدع باتباع الناس له في بدعته ، ولا يأثم أحد بسببه . ومن شأنهم الشفقة على خلق اللّه تعالى من ناطق وصامت بطريقه الشرعي . قال الشيخ محيي الدين : ولقد حدثني الوجيه المدرس بمدينة ملطية انه كان هناك وال بمدينة بخارى ، وكان من اظلم الناس . فركب يوما فرأى كلبا اجرب وكان ذلك في يوم شديد البرد ، فقال لبعض غلمانه ارفعوا ذلك الكلب إلى دارنا فرفعوه فتلطف به وأحسن اليه فلما جاء الليل نودي الوالي في منامه يا فلان كنت كلبا فوهبناك بكلب . فهذه رحمة بكلب اثرت الرحمة للظالم . وفي الحديث : في كل كبد رطبة اجر . ووقع لسيدي أحمد بن الرفاعي انه رأى كلبا أجذم فقد شعره والناس يزجرونه فحمله إلى البرية وجعل له ظلّة وصار يطعمه ويسقيه ويدهنه حتى عوفي فغسله بماء حميم ودخل به بلده أم عبدة ، فقيل له اتعتني بكلب هذا الاعتناء ! فقال : خفت من اللّه تعالى ان يؤاخذني بعدم الاحسان اليه ويقول لي : اما كان في قلبك رحمة لخلق من خلقي ؟ واللّه أعلم . ومن شأنهم ان يتصدقوا كل يوم عقدا بقلوبهم على جميع عباد اللّه تعالى بعرضهم وبدمائهم وأموالهم ، ولا يطالبون أحدا بحق الدارين اكراما لمن هم عبيده ولمن هم من أمته صلى اللّه عليه وسلم . وأصول الشرع تقصد هذا الفعل ، فإنه من باب العفو ومكارم الأخلاق ، وان كانت الاعراض لا تباح بالإباحة لو صرح أهلها بالإباحة ، ولكن كلامنا في عفوهم عن الناس إذا وقعوا في عرضهم بحكم الاتفاق ، والا فلم يبلغنا ان أحدا من القوم قال للناس قعوا في عرضي ابدا . وفي الحديث أيعجز أحدكم ان يكون كأبي ضمضم ، كان إذا أصبح يقول اللهم قد تصدقت بعرضي على عبادك يعني الذين يقعون في عرضي تعديا وظلما . لكن لا يخفى ان التصدق المذكور لا يكون الا في حق الآدمي ، فإنه بمثابة من سامح الناس بديونه . اما في حق اللّه تعالى فليس للعبد في ذلك تصريف . وايضاح ذلك أن معاصي الآدميين لها وجهان : وجه يتعلق باللّه من حيث تعديهم حدوده ، فذلك اليه تعالى لا لهم ، ووجه يتعلق بهم فيصح لهم العفو عنه واللّه أعلم . ومن شأنهم ان لا يقرضوا أحدا بقصد العوض ، وانما يعطون كل محتاج ما يرونه محتاجا اليه من غير مطالبته بالعوض ، وذلك لأنهم يشهدون ان جميع ما بأيديهم من المال انما جعله