تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وقد قالوا : من فني عن إرادة نفسه فلا نفس له ، ومن لا نفس له فلا غرض له ، ومن لا غرض له فلا مرض له ، وذلك ان سبب الأمراض عدم موافقة الاغراض واللّه أعلم . ومن شأنهم إذا كملوا في الطريق وتصدروا لارشاد الناس وقضاء حوائجهم ، ان لا يتخذوا لهم على أبوابهم حجابا إلّا ان يكون في البيت عيال ولامكان لهم يتوارون فيه ، وذلك حتى لا يفقدهم أحد يقصدهم في حاجته . وقد كان سيدي مدين يتخذ على بابه ستارة ، وكذلك سيدي علي المرصفي لأجل العيال دون ان يكون لهم حاجب . وكان سيدي احمد الزاهد يجلس دائما في خلوته في الجامع ، ولا يدخل على العيال الا بعد صلاة الجمعة لا غير ، ويخبر ان ذلك كان من خلق سيدي يوسف العجمي رحمه اللّه ، فكان كل من طلبه وجده ، فان انكر أحد على القوم في اتخاذهم حجابا على بابهم قلنا له : وثبت ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان له حجاب من خدمته الارقّاء وغيرهم كأبيّ وابن مسعود ، وكان إذا جاء مثل عمر بن الخطاب يستأذن ذلك الخادم في الدخول فيستأذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويفعل ما يأمره . قال الشيخ محيي الدين رحمه اللّه : وهذا الخلق لا يكون لهم الا بعد فراغهم من تهذيب نفوسهم ، إذ التصدر لقضاء حوائج الناس عادة لا يكون الا بعد ذلك . ومن كان عليه بقية علاج لاخلاقه الردية ، فهي تجذبه إلى وراء ، فلا يصح له التوجه إلى اللّه تعالى بكليته في قضاء حوائج العباد . ومعلوم ان كمال التوجه شرط في سرعة قضاء الحوائج ، وكل من تصدر لقضاء حوائج الناس قبل الفراغ من تهذيب نفسه فهو طالب للرياسة ، وثناء الناس عليه ، وعكوف الناس عليه ، وكثرة ترددهم اليه ، ومشيهم في ركابه . وربما تلبس عليه النفس في ذلك وتقول له انك انما تفعل ذلك محبة في الخير ، وما اقامك في ذلك الا الحق تبارك وتعالى فاشكر اللّه على ذلك ، فان غيرك يتمنى ان يكون مثلك فلا يقدر . فمثل هذا هالك ، وهو يظن أنه ناج . ولو أنه تفطن لدسائس نفسه لعدم تحريضها من ورطة الرياء ، ومن أسره تحت هواه ، ومن سخرية الشيطان به على جميع قضاء حوائج غيره بطريقة الشرعي ، كما يجب على طالب العلم الاخلاص فيه والسلامة من محبة صرف الناس وجوههم اليه . وفي الحديث : ما من أحد يكلم في سبيل اللّه واللّه اعلم بمن يكلم في سبيله ، الحديث ، فأخبرنا انه ما كل من جاهد يكون مخلصا لوجه اللّه تعالى ، ولا كل من قتل بين الصفين يكون شهيدا ، فلينتبه من يعمل شيخا في النصف الثاني من القرن العاشر لمثل هذه الغوائل واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وكان سهل بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه يقول : ينبغي للعبد ان لا يغفل عن تفتيش نفسه في عباداته ، فضلا عن معاصيه ، قلّ عبد يسلم من التقصير في طاعاته والغفلة فيها عن اللّه تعالى ، فلا يقومون الا تائبين ، ولا يجلسون الا تائبين ، ولا ينامون الا تائبين واللّه أعلم .