تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
الآخر انا لا اعتقده الا ان اظهر لي كرامة ، وقال الآخر انا منكر عليه ، فبينما هم جالسون إذ ظهر من بينهم فنظر إلى من قال انا منكر وقال : أنت المنكر علي إني لأرى نار الكفر تلتهب فيك ، وقال للآخر أنت الذي تقول لا اعتقده الا ان اظهر كرامة ستجرأ عليك الدنيا إلى شحمتي اذنيك ، وقال لسيدي عبد القادر أنت الذي تزورني للبركة سيعلو شأنك حتى تؤمر بأن تقول قدمي هذه على عنق كل ولي للّه عز وجل وتخضع لك أولياء المشرق والمغرب ويطأطىء رقابهم ، فكان الامر كما قال . واما المنكر فسافر من بغداد ليناظر القسيسين ببلاد الروم ففعل وناظرهم فغلبهم فأعجب السلطان وقربه وطلب منه تزويج ابنته فقال لا يمكن ذلك الا ان تدخل في دينها فتنصر وتزوجها ومات على دين النصرانية . واما الذي أوقف اعتقاده على اظهار كرامة فتولى مال بيت المال وصار من أوسع الناس في الدنيا لسواد به ذكره في كتاب البهجة واللّه أعلم . ومن شأنهم ان لا يطلبوا من مشايخ عصرهم الكلام على هواجسهم وانما يطلبون منهم ان يعرفوهم بالأدوية التي يستعملونها لإزالة أمراضهم الباطنة ، هذا هو جل مقصود الناس منهم ، فان المكاشفات بأحوال بواطن الناس انما هي أحوال المريدين ، تقوية ليقينهم في الطريق ، وتأييدا لهم ، والعارفون قد تمكنوا في مقام اليقين . وسمعت سيدي عليّا المرصفي رحمه اللّه يقول : يجب على صاحب الكشف ان يسأل اللّه عز وجل في زوله لما فيه من الاطلاع على عورات الناس ، فهو من أحوال المريدين لا العارفين واللّه أعلم . ومن شأنهم انهم لا يطلبون من الخادم ان يجري في خدمته لهم على وفق اغراضهم كلها ، بل إذا اتاهم بما لا يوافق اغراضهم سكتوا ولم يعاتبوه على ذلك ، الا ان يكون الخادم تلميذا للشيخ ، فله ان يعاتبه ليعرف ميزان ذلك في المستقبل ، وأما الماضي فقد وقع . وقال السهروردي رحمه اللّه : وانما كان من شأنهم ترك العتاب للخادم طلبا لتهذيب أخلاقهم ورياضة لنفوسهم ، كما أنهم في جميع معاملاتهم مع الخلق على هذا القدم ، فيتحملون اذاهم ولا يقابلونهم بنظير ذلك ، ويحملون عن الناس كلّهم ولا يلقون كلهم على أحد ، وينهون العصاة ، وينبهون الغافل ويرشدون الضال ، ويقودون الأعمى ، ويساعدون الخادم ، ويطحنون معها على الرحا ، ويكنسون البيت . وقال الشيخ محيي الدين : ومن الفقراء من صارت ارادته فانية في كل ما يريده الحق تعالى من الخير ، فمثل هذا لا يرى شيئا في الوجود يخالف غرضه حتى يتكدر لأجله لغيبته عن حظوظ نفسه ، وفناء ارادته في إرادة ربه في كل ما يجريه على يدي عباده في حقه .