تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
البتة ، ومن فعل ذلك مع شيخ فقد خرج عن قواعد الطريق واللّه أعلم . ومن شأنهم ان ينظروا إلى العصاة بعين الرحمة لا بعين الازدراء والاحتقار . وقالوا : الازدراء بشيء من العالم يرجع والعياذ باللّه إلى الاعتراض على القدرة التي أعطت كل شيء خلقه ، وذلك ينافي طريق الولاية والاصطفاء . وقد تقدم في الأبواب السابقة انه لا يجوز لأحد استصحاب المعصية على من وقع فيها ، بل ينبغي ان يعتقد فيه انه تاب من وقتها وندم ، فمن سريرته ، أو يحتمل ان يكون ممن سبق له من اللّه السعادة ، فلا تضره المعصية . وكل من ظن بنفسه انه خير من أحد من المسلمين ، فهو جاهل مخدوع ، ولو أعطي من الكرامات ما أعطي . وقد رأى سيدي عبد القادر الجيلي مرة شارب خمر يتمايل فخطر بباله انه خير منه ، فناداه السكران : يا عبد القادر ، قادر ربي على أن يجعلني مثلك ويجعلك مثلي ، فاستغفر سيدي عبد القادر وطأطأ رأسه . فأنكر يا أخي منكرات الشرع بحكم الشرع ، واجعل انكارك على الأفعال لا على الذوات ، واللّه أعلم . ومن شأنهم كلهم إغاثة الملهوف ويقدمون اغاثته على قراءة أحزابهم وأورادهم وكل شيء من نوافلهم ، كما مرّ تقريره مرارا . ومن ادعى الولاية وقلبه فارغ من تحمل هموم العباد فهو كاذب في دعواه ، وليتأمل تلقيب القطب بالغوث يعرف انه ما لقّب بذلك إلا لكثرة اغاثته الملهوفين في الشدائد . وهذه الحقيقة سارية من القطب إلى جميع أهل دائرته رضي اللّه عنهم . فاعلم أن من جامع زوجته ودخل الحمام ولبس المبخرة ونام على الفرش الوطية واكل اللذيذ من الطعام أو بنى دارا أو غرس بستانا أيام تكدر الناس ، فهو لم يشم من الغوثية رائحة ، لأن حامل الهم لا يتهيأ لمثل ذلك ، ولا تميل اليه نفسه ، فينبغي لمن لم يتحمل هموم الناس ان لا يخرج على من يتحمل همومهم ، بل يهرت نفسه ويوبخها ، عملا بحديث الطبراني مرفوعا : من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم انتهى . ورأيت بعضهم لا يهتم بأمر المسلمين ويزعم أن ذلك من التسليم للّه وهو قصور ، فان التسليم للّه لا ينافي الاهتمام بأمر المسلمين المأمور به واللّه تعالى اعلم . ومن شأنهم ان يجزموا بفضل كل من طلبوا زيارته من الشيوخ عليهم قبل ان يخرجوا لزيارته ، ولا يخرجوا قط لزيارته على وجه الاختبار له ، لان ذلك يورث المقت ، إذ الشيوخ لا يختبرون البتة لكمالهم ، وانما الحق تعالى هو الذي يختبرهم ، واما الخلق فربما كانوا دونهم في الدرجة ، فكيف يختبرونهم في مقام لم يذوقوه . وقد دخل سيدي عبد القادر الجيلي ومعه اثنان على رجل كان يلقب بالغوث ، وكان من شأنه ان يختفي إذا شاء ويظهر إذا شاء ، فقال سيدي عبد القادر نويت التبرك بهذا الرجل ، فقال