هو مبسوط في كتب القوم ، وهي طريق الشيخ الجنيد بعينها واللّه أعلم .
ومن شأنهم عدم الاعتراض على الشيوخ ، إذ الاعتراض عادة لا يكون إلا من الأعلى للأدنى ، لأنه هو الذي يعترض بعلم .
وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : لا يسمى اعتراض الأعلى على الأدنى اعتراضا ، وانما الأدب تسميته تأديبا وارشادا ، كحال الشيخ في تربية المريد ، فلا يسمي الشيخ معترضا على المريد ، فعلى الأدون ان يصمت عن كل شيء جهله ، ولا ينكر على فاعله إلا أن علم حكمه في الشريعة ، ومتى أنكر على شيخه فقد أبطل أصل عقده معه واللّه أعلم .
ومن شأنهم الصدق ، فلا يتكلمون ابدا عما لم يذوقوه ، خوفا على أنفسهم ان يدّعوا مقاما لم يبلغوه . ومن أصول طريقهم انهم لا يتكلمون إلا بما يشاهدونه ، وإذا سمع أحدهم شيئا من أخيه لم يفهمه ، فلا يجوز له الرد عليه ، وانما الواجب عليه أن يعلم فورا أن ذلك من مشاهد أخيه الصحيحة ، التي لم يبلغها هو ، وان أخاه أعظم منه مقاما ، فينبغي له التوجه بهمته إلى اللّه تعالى ، ان يرزقه مثل ما رزق أخاه ، أو يتلمذ له ويخدمه ان لم يكن له شيخ ، كما جرى عليه أهل الطريق . وهذا الأدب ما رأيت له ذائقا إلا قليلا . وغالبهم لا يقدر على نفسه تنكبس لأن يتلمذ لأخيه ابدا . ومن هنا قال الشيخ عبد القادر الجيلي رضي اللّه عنه : من أعلى اخلاق القوم ان يتلمذوا لأحد من اقرانهم ، فإنها أحسن رياضات النفوس ، وهو أصعب من الجوع والسهر والعزلة وغير ذلك ، انتهى .
ويؤيد ذلك ما تقدم في وصية سيدي أحمد بن الرفاعي في مرض موته لخواص أصحابه حين سألوه وصية موجزة ، من قوله : من تمشيخ عليكم فتلمذوا له ، فان مدّ يده لكم لتقبلوها فقبلوا رجله ، وكونوا آخر شعرة في الذنب ، فان الضربة أول ما تقع في الرأس . فان قيل إن أشياخ الطريق كاملون بيقين ، وخرجوا عن رعونات النفوس ، لا نرى أحدا منهم يتلمذ لأحد من اقرانه كما قلتم ، فالجواب ان كلامنا فيمن تأبى نفسه القراءة على اقرانه ، وهؤلاء الأشياخ بحمد اللّه لا تأبى نفوسهم ذلك كما هو معلوم من قرائن أحوالهم ، فإياك ان تظن بهم في المريدين واللّه أعلم .
وكان الشيخ محيي الدين رحمه اللّه يقول : من شروطهم إذا دخلوا زائرين لأحد من أشياخ عصرهم ان يفرغوا قلوبهم من جميع ما عندهم من العلم ، بمعنى انهم لا يقنعون لما عندهم ، بل يطلبون الزيادة ، فان العلم لا قرار له ، فيجب على كل زائر للاشياخ ان يفتح باب قلبه لما يلقي اليه ذلك الشيخ ، ليخرج من عنده سالما من الاعتراض ، ومتى سمع من الشيخ ما لا يقبله قلبه رجع على نفسه باللوم وقال هذا أمر لم أصل انا اليه ، ولا ينسب الشيخ إلى الخطأ
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 141
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٤١