تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
بلغنا عن الحسن البصري انه كان يقول ذلك واللّه أعلم . ومن شأنهم حفظ آداب الشريعة لا سيما أواخر أعمارهم ، ولا يقدمون على فعل شيء حتى يعرفوا انه موافق للشريعة وإذا شكوا في أمر سألوا عنه العلماء وعملوا بما يفتونهم به من التشديد أو الرخصة بشرطها . وقد ألف سيدي الشيخ محمد بن عنان رضي اللّه عنه رسالة من أولها إلى آخرها في الحث على اتباع الشريعة وسؤال العلماء عن ما فيه شك وسبب ذلك أنه كان في بلاد الشرقية بين قوم الغالب عليهم البدع ، ولا يتيسّر للفلاحين ان يشتغلوا بالعلم حتى يصير أحدهم يعرف جميع الحلال والحرام من نفسه من غير سؤال العلماء ، وكان الشيخ محمد هذا على قدم السلف الصالح ، وما كنت أمثلة إلا بطاوس اليماني أو بشر الحافي ، لشدة ما هو عليه من اتباع السنة المطهرة وعدم تضييع شيء من أوقاته في غفلة عن اللّه ، بل كان ليلا ونهارا مقبلا على ربه عز وجل رضي اللّه عنه . وكان سيدي علي الخواص يقول للمتعبدين من الفقراء : عليكم بسؤال العلماء عن امر دينكم ، ولا تعملوا شيئا الا بعد علمكم بأنه موافق للشريعة . وكان يقول : من خان في آداب الشريعة الظاهرة ، فأحرى أن يخون في علم الحقيقة والأسرار الإلهية . ومعلوم ان الحق تعالى لا يهب أسراره إلا للأمناء من عباده ، وكل من ابتدع في الشريعة شيئا ، فقد آثر هواه على شرع ربه الذي اختاره اللّه ورسوله للأمة واللّه أعلم . ومن شأنهم إذا دخل أحدهم في الطريق ، وهو ذو زوجة أو مال ، ان لا يتغير عن حالته الا باذن شيخه ، فلا يطلقها باختياره ، ولا يتزوج إذا كان عازبا ، ولا يرمي ماله للناس ، ثم يصير يسأل الناس ، وقد مر ايضاح ذلك في الأبواب السابقة في مواضع ، ولذلك من شرط الصادقين منهم ان لا يبيت أحدهم على دينار ولا درهم كما مر ، ولا يأخذ من الناس من أموالهم بالسؤال ليفرقها على المحاويج ، الا ان كانت زكاة ، وكان كاملا في الطريق ، يرى الخلق كالأطفال في حجره ، يربيهم ويفعل معهم ما هو الأصلح لهم . فمثل هذا الاعتراض عليه كالاعتراض على الخضر عليه الصلاة والسلام ، فيما فعله مع موسى عليه الصلاة والسلام ؛ فان قول الخضر عليه الصلاة والسلام وما فعلته عن أمري ، مثل قول نبينا صلى اللّه عليه وسلم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ . فكما ان الخضر عليه الصلاة والسلام هو شيخ الأولياء في علوم الحقيقة ، بحكم النيابة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فعلم أنه لا ينبغي الاعتراض إلا على من لم يبلغ حد الكمال من المتمشيخين بأنفسهم ، فيسألون الناس الحافا ، فينفرون منهم ، فيقل نفعهم على يدهم . ويقولون نحن ملامتيّة ، وذلك جهل ، فان الملامتيّة هم الكمل من رجال اللّه تعالى ، ومبنى طريقهم على الحياء والعفة ، كما
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 140 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى