أو أمة نبيه في حضرته ، فان الواصل دائما في حضرة اللّه وحضرة رسوله لا يبرح ، فيقال لمن ادعى الوصول واذى أحدا أنت كذاب واللّه أعلم .
ومن شروطهم ان لا يعدوا أحدا بوعد إلا في النادر ، لان صدق الوعد انما يكون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام لعصمتهم ، وأما غيرهم فربما وعد واخلف فيصير فيه خصلة من النفاق .
وسواء كان الموعود به جليلا أو حقيرا كله واحد . ثم إن وقع ان الفقير وعد أحدا بوعد ولم يوف به وجب الوفاء به واستغفر اللّه تعالى ، كما هو مذهب الإمام مالك رضي اللّه عنه .
ومن شروطهم الورع والتثبت في كل ما يروونه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقوله : من كذب عليّ متعمدا - وفي رواية باسقاط متعمدا - فليتبوأ مقعده من النار ، وهو حديث متواتر بقيد التعمد .
وفي الحديث أيضا : كفى بالمرء اثما ان يحدّث بكل ما سمع . وفي رواية لمسلم : حسب المرء كذبا ان يحدث بكل ما سمع ، ذكرها مسلم في صدر صحيحه .
وقد قالوا : الورع في المنطق أعز من الكبريت الأحمر .
وسمعت شيخنا شيخ الاسلام زكريا يقول : لا تعتمد على رواية أحد من هؤلاء المتعبدين من غير علم حتى تجربه في الصدق والعلم . فكثيرا ما يروي شيخ الزاوية شيئا ويضيفه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والحال انها رؤية منام لبعض العارفين وهو يعتقد انها جاءت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من طريق المحدثين ، فعليه اللوم وان كان ذلك مبنيّا على حسن الظن بالناس ، لان لحسن الظن مواضع ليس هذا منها . وقد تقدم في الباب الأول وغيره ان من شرط من يطلب طريق القوم ان يكون متضلعا من علوم الشريعة المطهرة ، حتى لا يصير عنده التفات إلى غير الطريق التي سلكها . وان طريق القوم محررة على الكتاب والسنّة ، تحرير الذهب والجوهر ، فمن لم يكن من أكابر العلماء لا يفلح فيها ، لأن له في كل حركة وسكون ميزانا شرعيا يجب عليه علمه قبل الفعل واللّه أعلم .
ومن شأنهم شدة الورع وكثرة التوقف على الأكل مما بأيدي أهل زمانهم حتى يعلموا ورعه في كسبه ، وقد خالف قوم من أهل زماننا هذا فادعوا المشيخة وصاروا يأكلون عند المكاسين في رمضان وغيره ويقولون : نحن قوم لا يؤثر فينا الحرام ، وهذا من الافتراء القبيح على أهل الطريق انهم كانوا كذلك ، فاللّه تعالى يغفر لنا ولهم . فيجب على كل مسلم ان ينكر صنيعهم قياما بواجب حق الشريعة والعلماء العاملين والأولياء الصالحين . ولو أن هؤلاء اعترفوا بأنهم خالفوا طريق السلف الصالح حتى لا تتبعهم العامة على ذلك لكان أخف اثما . وقد قدمنا ان سفيان الثوري رضي اللّه عنه كان يتهم نفسه ويقول لأصحابه إياكم ان تقتدوا بي حتى تزنوا أحوالي على الكتاب والسنة ، فاني رجل خلطت في ديني وأكلت من جوائز السلطان . وكذلك
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 139
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٣٩