من القوم أو من المعتقدين فيهم كان أحسن . قالوا : وإذا كان القوال من العوام الخارجين عن طريق القوم فينبغي لهم أن يزيدوه في العطاء لينبعث ويخلع ، ويباسطوه حتى يميل إلى القوم ، لأن النفس مجبولة على حب من يحسن إليها .
وسمعت سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : لا ينبغي للفقراء ان يطلبوا من القوال انشاد شيء معين ، بل يتركوه على حسب ما ينطقه اللّه تعالى به ، وذلك ابعد عن حظوظ النفس ، ولكن ان كان الشيخ حاضرا وأمر القوال ان ينشد شيئا معينا فلا بأس ، لأنه أعلم بما يحرك قلوب الجماعة انتهى .
قال الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه اللّه : وإذا ظهر للقوم سآمة من القوال أو كسل أو رأوا صوته يفرق قلوبهم ، فمن الأدب ان يسكتوه . ويجب عليه ان لا يتشوش منهم ، فان تشوش فلا يصلح للانشاد الا ان تاب انتهى . وإذا اسكتوه فيشتغلون بنفوسهم أو يأخذون في الذكر حتى يحصل للقوال باعث ويحصل بانشاده الجمعية ، لكن يكون الذكر على طريقة واحدة موزونة وهي أحسن عند المحققين من سماع القوال ، وأقوى في الاستعداد لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد . قالوا : وإذا حرك القوال صاحب حال ووقع منه شيء من ثيابه فهو للقوال خاصا ، فان في الحديث من قتل قتيلا فله سلبه .
قالوا : وإذا كان التواجد من معنى آخر خلاف قول القوال ، ووقع منه ثوب فهو للجماعة ، فيشركهم فيه القوال لأنه من الجماعة . والمتواجد مصدق فيما يدعيه من حصول السبب الذي تواجد منه ، فلا ينبغي ان يكذبه أحد ، إذ التهمة لا يكون بين القوم .
قالوا : وإذا تحرك شيخ القوم وسقط منه شيء فالحكم فيه للشيخ ليس لهم ان يتحكموا في خرقة شيخهم ، ولكن يجب على الشيخ ان يقسمها بينهم ولا بد ، فان أمسكها ولم يحكمهم فيها ولا قسمها بينهم فقد خرج عن طريق القوم ، وللجماعة ان يجتنبوه ، وليس للمريدين ان يقتدوا به في مثل ذلك ابدا . ثم إن امساكه الخرقة قد يكون لاحد امرين اما لبخل ما طرأ عليه لعدم عصمته ، وأما لطلب الستر بحاله لسوء هذا الأدب حتى يسقط من عين الجماعة ، وكل من هذين الامرين لا يليق بالمريد اتباع هذا الشيخ فيه وان تبعه لا يفلح ؛ لأنه ان كان بخيلا فأقبح من كل قبيح صوفي شحيح ، وان كان متسترا بذلك الفعل فذلك لعلة في نفسه لا يعرفها المريد ، والمريد انما ينتفع بشيخه في الأخلاق والآداب التي ظاهرها محمود .
قال الشيخ محيي الدين : وكل من قام في السماع عن غلبة فللجماعة ان يقوموا لقيامه ، وليس لهم ان يقوموا لقيام من بقيت عليه بقية من الاحساس والشعور ، بل يحرم عليه هو القيام ، لأنه منافق ظهر بصورة الصادقين لا بمعناهم ، اللهم الا ان يقوم متواجدا معرفا الجماعة بتفعله ،
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 135
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٣٥