وكان أبو علي الروذباري رحمه اللّه إذا سئل عن السماع يقول : ليتنا نخرج منه رأسا برأس .
وكان أبو عثمان المغربي رحمه اللّه يقول : من ادعى السماع بصدق ولم يستمع من صرير الباب وصوت الطيور وتصفيق الرياح فهو مفتر مدع ، وذلك لأن الباعث للسماع عند الصادقين شهودهم ان كل شيء ورد عليهم انما ورد من حضرة اللّه تعالى ، فهم مع صاحب الحضرة لا مع من ورد عليهم ، ولذلك تساوى عندهم صوت الحمار وصوت أحسن الناس صوتا . ثم إذا غلب حال القوم في السماع فمن الأدب التسليم لهم إذا صاحوا أو مزقوا ثيابهم أو بكوا على حسب ما يكون أحوالهم .
وكان أبو عثمان الحيري يقول : السماع على ثلاثة أوجه ، فوجه للمريدين والمبتدئين ، يستدعون بذلك الأحوال الشريفة ، ولكن نخشى عليهم من ذلك الفتنة والرياء . ووجه للصادقين يطلبون بذلك الزيادة في أحوالهم . والوجه الثالث لأهل الاستقامة من العارفين ، وهو تساوي الحركات والسكون عندهم .
وكان أبو سعيد الخرّاز يقول : من ادعى انه مغلوب في السماع فعلامته الصحيحة ان لا يبقى في ذلك المجلس محق الا انس به ، ولا مبطل الا استوحش منه .
وكان الشيخ محيي الدين يقول : إذا كان الرجل ممن لا يجد قلبه مع اللّه تعالى الا في السماع ، فالواجب عليه ترك السماع أصلا ، لان في ذلك مكرا إلهيا خفيا لا يعرفه كل أحد .
وان كان يجد قلبه فيه وفي غيره ، ولكن يجده في النغمات أكثر ، فحضوره حرام . ولا نعني بسماع النغمات الغناء بالشعر فقط ، وانما نعني به سماع النغمات بالغناء وغيره . قال : وإذا وجد الفقير قلبه في سماع القرآن لحسن صوت القارئ ، ولم يجد قلبه فيه إذا سمعه من قارىء آخر ، فسماعه معلول ، وتلك الرقة التي يجدها في قلبه من الطبيعة الانسانية ، ذكره في الباب الثالث والثمانين ومائة من الفتوحات .
وكان الجنيد يقول : إذا رأيت المريد يميل إلى السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة .
وكان سهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه يقول : معنى السماع علم استأثر اللّه تعالى به لا يعلمه الا هو ، والعبارات تقصر عنه ، ولكن الصادقون تشير إليهم المعاني فيستريحون بذلك من تعب الحجاب .
ولما دخل ذو النون المصري بغداد في المحنة التي عمد من مصر إليها ، اجتمع عليه صوفيتها ومعهم موّال فاستأذنوه بان يقول بين يديه شيئا فأذن لهم فأنشد يقول :
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 131
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٣١