طريق أهل اللّه واحدة ، ترجع إلى واحد وان تعددت . وما اتخذ الناس لهم شيخا الا ليهذب أخلاقهم ويزيل رعوناتهم حتى يصير أحدهم يرى أن الناس كلهم ناجون وما هالك الا هو .
فامتحن يا أخي نفسك بهذا الميزان ، فان رأيت نفسك صارت كذلك فأنت صادق في ادعائك انك انتفعت بصحبة شيخك ، والا فما حصلت على شيء . وهذا الامر قد كثر في فقراء هذا الزمان فيصحب أحدهم الشيخ إلى أن يموت ثم يصير مقراضا في طوائف الفقراء لا يعجبه أحد منهم ، مع أنه لا رآهم على كبيرة ولا اصرار على صغيرة . وهذا من أكبر المقت ، نسأل اللّه العافية .
وترى أحدهم يقول : ما بقيت عينانا ترى أحدا مثل شيخنا ، فيقال لهم ماذا انتفعتم به ؟
فلا يجد شيئا يقول . وكل جماعة يقولون شيخنا قفل بعده باب اللّه ، فلا يكاد ينتفع بأحد من أولياء عصره نسأل اللّه العافية .
ومن شأنه ان يرى محاسن اخوانه ويعمى عن مساوئهم جملة واحدة ، فلا يتجسس لهم قط على عيب حتى يحققه .
وقد كان الشيخ أبو مدين الكمساني رضي اللّه عنه يقول : الفتوة هي رؤية محاسن الإخوان والغيبة عن مساوئهم .
وكان يقول : انصف اخوانك واقبل النصيحة ممن هو دونك تدرك شرف المنازل . وكان يقول : من أحوج أخاه إلى سؤاله عن حاجة من الحوائج التي يقدر عليها فما وفي بحق صحبته ولا اخوّته .
وكان يقول : من لم يتفقد عيال أخيه في غيبته بما يحتاجون اليه فقد خان الصحبة .
وكان يقول : من ميز بين ثيابه وثياب أخيه في الملك فما شم للصحبة رائحة ، وانما صحبته نفاق .
وكان يقول : ليس بأخيك من احتجت إلى استئذانه في اخذ شيء من كيسه .
وكان يقول : لا تكمل صحبتك الا بانشراح صدرك بكل ما اخذه الاخوان من مالك وثيابك وطعامك ، ومتى وجدت انقباضا لذلك فأنت منافق في صحبتك .
وكان يقول : من حق أخيك عليك أن تتحبّب إليه بكل ما يحب حتى لا يجد في نفسه حرجا من جهتك في شيء يتصرف فيه من مالك ومن وجد ضيقا في صدره وحزازة إذا أخذ شيئا من مالك فما قمت له بواجب حقه عليك ، فان الحزازة التي يجدها أخوك حين يأخذ مالك
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 120
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٢٠