ومن شأنه إذا وقع في سوء أدب في حق أخيه أن يبادر إلى الاستغفار بكشف الرأس والوقوف عند النعال واضعا يده اليسرى على اليمنى ليخالف هيئة الصلاة ، مطرقا برأسه إلى الأرض ، نادما على ما وقع منه في حق أخيه مثلا ، فإن لم يقبل اخوه اعتذاره فمن الأدب ان لا يجلس بل يبقى قائما إلى أن يرحمه أخوه . ويجب عليه ان يرجع على نفسه باللوم ولا يجيب عنها ذرة واحدة ، بل يعترف بأنه ظالم على أخيه ، فان طال به الوقوف حتى خرج متنصلا من ذنب فليقبل ذلك محقّا كان أو مبطلا ، فإن لم يفعل لم يرد الحوض ، رواه الترمذي وغيره .
وسمعت سيدي عليّا الخواص رحمه اللّه يقول : إذا جاء أخوكم معتذرا فاقبلوه لا سيما ان أطال الوقوف مستغفرا ، فإن لم يجد أحدكم في قلبه رقة له فيرجع على نفسه باللوم ويقول لها : يأتيك أخوك مستغفرا في حقك فلا تقبليه ، فكم وقعت أنت في حقه ولم تلتفتي اليه فأنت إذا أسوأ حالا منه . ومراد القوم بذلك كله زوال الكدر لا غير ، ومن رضي الكدر لقلبه فليس له في الطريق قدم ، فان رأس مال الانسان هو قلبه واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا يكون عنده حسد لاخوانه إذا كثرت طاعاتهم وانقلب الناس إلى اعتقاد فيهم ، بل يفرح لهم كلما كثرت طاعاتهم ، ويكون حريصا على وقوع الأدب منه في اخوانه ، وإذا عمل بأدب يجب ان يكون اخوانه كلهم كذلك يعملون به حتى لا يتميز عنهم بشيء . وما زاد القوم على غيرهم الا بمراعاتهم الأدب في كل شيء مع كل شيء ، حتى أنهم يوجهون أباريقهم كلها إلى القبلة ويرون ذلك من الأدب . وإذا كان الاناء لا وجه له كالكوز والزبدية جعلوا لها وجها بالنية ووضعوه للقبلة التي هو محل مناجاة الحق جل وعلا . وقد دخل جماعة زائرين على فقراء كانوا مشهورين بالخير فوجدوا اباريقهم لغير القبلة فردوا ولم يسلموا عليهم ، وقالوا لو كان هؤلاء من أهل الأدب لوجهوا اباريقهم للقبلة . وسيأتي في الخاتمة في آدابهم في السفر أنه يستحب لأحدهم إذا سافر ان يشد وسطه ويقرب خطاه ، فإنه يذهب شدة التعب . وفي الحديث إذا أحدكم سافر فليشد وسطه وليقارب بين خطاه . وانه يستحب لأحدهم إذا سافر ان يودع اخوانه بالعناق ان كانوا رجالا ، وإلا ودعهم بالإشارة ان كانوا صغارا ، ثم يسلم عليهم ويمشي القهقرى غير مول وجهه عنهم حتى يتوارى عنهم بجدار أو يبعد عنهم جدا . ثم إذا رجع ووصل إلى مقصده فلا يبادر إلى الاغتسال من عياء السفر بل يصير إلى اليوم الثالث أو الرابع ، وفي ذلك سر يذوقونه . واما في الظاهرة فهو ان المسافر يمسح من التعب فربما ضره الغسل وأورث عنده ضربان المفاصل بخلاف أعضاء الوضوء لكونها مكشوفة غالبا فلا يضرها ماء الوضوء واللّه اعلم .
ومن شأنه ان لا يرى نفسه على أحد من جماعة شيخ آخر فإنهم اخوانه في الطريق ، لان
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 119
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١١٩