تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وعقائده . وفي رواية أخرى : من أضر الأشياء على المريد صحبة عالم غافل عن مراعاة ربه بقلبه ، ومتصرف جاهل بأحكام الشريعة ، وواعظ يداهن الناس ويرخص لهم طلبا لميلهم اليه واللّه أعلم . ومن شأنه أن يحذر اخوانه من الوقوع في الدعاوى التي لا يكون على ظاهرهم منها دليل ، بل ولو كان على ظاهرهم دليل يحذرهم من الدعوى أيضا ، ويأمرهم بستر المقام حتى يتولى اللّه تعالى اظهارهم بغير مراد منهم ، وقد هلك في هذا الأمر خلق كثير . وقد قال الأشياخ : كل من رأيتموه يدعي مع اللّه تعالى ما لا يكون على ظاهره منه شاهد فاحذروه ، وكل من خرج إلى الخلق قبل وجود الاذن الإلهي الخاص فهو مفتون وهو مسخرة للناس ، وما خرج الأولياء إلى الخلق إلا بعد أن هددوا بالسلب ان لم يفعلوا . قلت : وقد جاء شخص يطلب مني أن ألقنه كلمة التوحيد فرأيته يحب الرئاسة ، ومعلوم ان التلقين من غير مجاهدة على مصطلح الناس اليوم يزيده رعونة ، فلم أجبه إلى ذلك ، فاجتمع بعدي بعدة مشايخ ونكث عهدهم ، وصار كل من نصحه يفارقه ويصير يحط عليه ، وادعى ان جماعة من أشياخ الطريق الذين ماتوا أتوه في النوم وقالوا له ابرز إلى الناس ، ولعله إبليس ، فجمع له بعض جماعة من العوام وصار يقول لهم أنا اليوم أكبر الأولياء وأوسعهم دائرة ، والأقطاب كلهم من تحت أمري ، فصار الناس يسخرون به وبالفقراء الموجودين في عصره ، فحكمه حكم خلبوص المغاني ، إذا خرج في بابه قاض أو أمير فيضحك الناس عليه ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ولا يخفى ان الكرامات فرع المعجزات ، وان لم تكن كرامة الانسان مصدقة لدعواه فهو كذاب ، كما درج عليه السلف الصالح واللّه أعلم . ومن شأنه أن يحث اخوانه على دوام الحمية في الأبدان والقلوب والنفوس ، وذلك بترك المخالفات وعدم الركون إلى الاغيار وترك الدعوى ، فان من وقع في واحدة من هذه الخصال ولم يحتم عنها فهو معدود من رعاع الناس وأراذلهم ، فكما ان قلوب من يحتمي تكون معمورة بذكر اللّه ، كذلك يكون قلب من لا يحتمي محلا للغفلة والوسواس . وقد كان الشيخ أبو مدين يقول : لا ينفع مع الوقوع في المخالفات عمل ، كما أنه لا ينفع المريض ما يصفه له الحكيم من غير حمية ، وكما أنه لا يضر مع التواضع بطالة ، كذلك لا ينفع مع الكبر عمل ، انتهى واللّه أعلم . ومن شأنه ان يحذر اخوانه من أن يطلبوا بعباداتهم مقاما أو حالا ، فان من طلب لنفسه حالا أو مقاما ، فهو بعيد عن طرقات المعارف . وكذلك ينبغي له أن يحثهم على عمارة أوقاتهم