الثواب . وإنما الأدب ان يرى خدمته لهم من باب الواجب عليه وفاء ببعض حقوقهم . وقد جرب الأشياخ كلهم نفوسهم فوجدوا انه لا يستحق السيادة إلا من تواضع للّه تعالى .
وسمعت سيدي عليّا الخواص رحمه اللّه يقول : لا ينبغي للمريد الانكار على الشيخ إذا نهاه عن خدمة مريض من اخوانه ، فربما كان ذلك المرض عقوبة له ، بل يجب عليه ان يعتقد ان الشيخ ارحم بذلك المريض منه ، لكن إذا بلغت العقوبة حدها فهناك يأمره بخدمته .
وكان أبو سليمان الداراني وغيره يقولون : لا تصلح هذه الطريق الا لأقوام كنسوا بأرواحهم المزابل ، انتهى واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يبادر لخدمة بيوت الخلا احتسابا لوجه اللّه تعالى ، ولو كان لها خادم بأجرة ، فيزيل ما على الملاقي وحول الميضاة من القذر ، وليكن ذلك أوقات غفلات الناس ، كضحوة النهار أو في السحر بحيث لا يراه أحد ، فإن للنفس لذة وحلاوة إذا عرفت بالتواضع أعظم من لذة الكبر لأصحابه . وكانت هذه وظيفة الإمام الغزالي وسيدي علي الخواص والشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رحمهم اللّه تعالى . وإذا رأى المطهرة ناقصة من الماء فينبغي له ان يكملها مساعدة للقيم ، لأنه سنة السلف ان لا يتطهروا الا من ماء لا منة لاحد عليهم فيه ، وإذا ملأ في الفسقية شيئا صار كأنه ملأ ماء طهارته ، وينبغي ان يسقط منته فيه عن المتوضين .
وبالجملة فما خدم أحد اخوانه إلا صار على وجهه نور وأنس ، ولا تكبر عن ذلك أحد إلا صار على وجهه ظلمة .
وقد كان سيدي علي الخواص إذا لبس مرقعته التي يكنس فيها المساجد وينظف فيها الأخلية كأنها جواهر تضيء . فالزم يا أخي خدمة الاخوان يرض عنك الرحمن وتدخل أعالي الجنان واللّه تعالى أعلم .
ومن شأنه ان يتخذ عنده الموسى والسكين والإبرة والمقص والمخرز والخيط ونحو ذلك مما يحتاج اليه عادة ، وذلك ليرفع كلفته عن اخوانه وينفعهم بعاريتها . وكذلك من أدبه ان يتخذ عنده المشط والخلال والسواك والقطيفة لمسح الأعضاء ، والسجاد للصلاة عليها ، فيفرشها حيث أدركته الصلاة في غير المسجد . وتقدم في الباب الأول ان السلف الصالح ما اتخذوا السجادات للضخامة ، حاشاهم من ذلك ، وانما هو لمصلحة الصلاة . وقد أجمعوا على أنه لا يدخل الحضرة الإلهية من في قلبه مثقال ذرة من كبر . كما ورد في دخول الجنة . فان الحضيرتين كلاهما بين يدي اللّه عز وجل ، ولو في صلاته وهما : عز النفس وشهود الغنى في نفسه عن فضل ربه غفلة لا حضورا . فاعلم أن من تخلق بالذل والفقر لا يمنع من دخول حضرة اللّه تعالى في وقت من الأوقات .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 118
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١١٨