فلا يكاد يحضر فيها ابدا ، ثم إذا كان له حاجة في القلعة أو عند شخص يخاف يفوته يستيقظ تلك الليلة من التسبيح ، وذلك دليل على كذبه في دعواه غلبة النوم وقت الصبح ، وإنما رأيت جماعة بمجرد ما يجلسون معي في مجلس الصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينعس أحدهم ويصير يتمايل يمينا وشمالا ، فأضع له في فمه قطعة حلاوة أو أعد له في يده دراهم فيعتقد انها له فيستيقظ لوقته ويذهب عنه النوم ، وذلك من أقوى الأدلة على ترجيح الدنيا على ذكر اللّه والصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومثل هذا يتخذ له شيخا يلطف كثايفه حتى يقلب تلك الداعية التي للدنيا لجهة الآخرة ، ويصير يستيقظ إذا ذكر اللّه تعالى ، وينام إذا أعطي دراهم أو حلوى ، ويذوق طعم الإيمان الكامل واللّه تعالى أعلم .
ومن شأنه ان يكون مقداما لإخوانه في كل عمل شاق من أعمال الدنيا والآخرة ، كنقل الحطب والقمح إلى سطوح الزاوية ، وكسهر الليالي الكاملة . وذلك من ادعى انه أقدم هجرة عند الشيخ فهو أحق بذلك من الحادث القريب العهد بالمجاورة ، فإن المجاورين كلهم ناظرون إلى فعل كبراء الزاوية . ومن هنا قالوا : ينبغي للفقير ان يكون ابعد الناس عن الريبة ومواطن التهم وارتكاب الرذائل ليسمع له اخوانه إذا نصحهم ، فلا يأمرهم بقيام الليل مثلا ثم ينام هو ، ولا يزهدهم في الدنيا وفي عدم جمعها ويرغب هو فيها ويجمعها ، ويعامل بها الناس قراضا وتجارة ونحوهما . ولسان حال الفقراء الذين يأمرهم بأمر ولا يفعله هو يقول له : انصح أنت نفسك ؛ ويقعون في عرضه . فليحذر كبراء الزاوية من مثل ذلك . وشيخهم أولى بكل ما ذكرناه ، فينبغي له ان يساعد الفقراء في نقل القمح أو الحطب أو الحصاد أو الدراس أو الحرث ولو مرة أو يوما ، فإن بذلك يحصل النشاط للفقراء ، واللّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه . وقد بلغنا ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا خرج أصحابه لجمع الحطب يخرج معهم ويجمع له حزمة ويرجع بها إلى الدار ، وكذا كان يفعل الإمام علي رضي اللّه عنه ويقول لا ينقص الكامل من كماله ما جر من نفع إلى عياله واللّه أعلم .
ومن شأنه ان يتظاهر بعداوة من عادى أحدا من اخوانه بغير حق قياما بواجب حقوقهم ، فلا يجوز له عداوته بالباطن الا ان كان من أهل الكشف وكشف له عن شقاوته في الآخرة والعياذ باللّه تعالى ، وكذلك من حقوق اخوانه عدم مصافاة من وقع في فساد واخرج من الزاوية وعدم العزومة عليه بالأكل أو الجلوس معه إذا دخل الزاوية لصلاة أو غيرها خوفا من تغيير قلوب الإخوان ، فمراعاة خواطرهم أولى من مراعاة خاطر من ثبت فساده ورميه الفتن مثلا . وهذا يقع فيه كثير ممن لم ينظر إلى عواقب الأمور ، فينبغي ان يتنبه الساذج لمثل ذلك . وكان الواجب عليه اظهار العداوة موافقة لاخوانه الصادقين في الزاوية ، لكن مع ارشاد ذلك المفسد إلى اظهار الندم وسياقه السياقات لاخوانه حتى يطيبوا عليه قياما بواجب حقه القديم ، فإن الانسان
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 110
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١١٠