بين يدي الشيخ فيأخذ للمظلوم حقه من الظالم . وكان الذي يسامح أخاه أكرم عند الشيخ من الذي يأخذ حقه ، وكان يقول لهم لا ينبغي لفقير ان يمسك على أخيه كلمة جفاء في حال غضبه لان بعض العلماء لا يقول بصحة طلاق الغضبان لتزلزل عقله ، وكان يقول كل من مسك على الناس كل كلام قالوه فيه كثر أعداؤه وانحطت همته إلى سافلين .
وفي كلام سيدي أحمد بن الرفاعي رحمه اللّه : من انتصر لنفسه وأجاب عنها تلف وتعب ، ومن سامح الناس وفوض امره لمولاه نصره من غير أهل ولا عشيرة واللّه أعلم .
ومن شأنه إذا كان مجاورا في زاوية الشيخ ان يحمل النهرة والكلمة الجافية من كبراء الزاوية كالخطيب والإمام والنقيب والجابي ما داموا سالكين ، لان الناقص يرى له الفضل على اخوانه بتربيتهم وتعليمهم الأدب وخدمتهم ، فلا ينهر أحد الا وهو يرى نفسه عليه ، فإذا كمل سلوكه صار يرى فضلهم عليه الذي كسبوه الاجر ، ولذلك يمتثل امرهم إذا استقضوه في حوائجهم ، لكن باذن الشيخ ان كانت الحوائج لهم ، وان كانت للزاوية فلا يحتاج إلى اذن من الشيخ خاص بل ذلك داخل في اذنه ، للنقيب ان يستعمل في حوائج الزاوية من شاء من المقيمين . وقد تقدم انه يحرم على المجاورين التعصب بالباطل لحظ النفس على كل من اقامه الشيخ نقيبا أو جابيا أو خادما ، والطعن عليه بنحو قولهم هذا لا يصلح لهذه الوظيفة . ويجب عليهم التسليم له . فان الطعن فيمن اقامه الشيخ يؤدي إلى ضرر شديد وتشويش القلوب بعضها من بعض ويوقف عليهم أسباب معاشهم ، وربما خرجوا من كثرة الشكاوى للحكام والنكد من الزاوية وعملوا صناعا ومحترفين أو يسعوا على وظائف ضعفاء الفقهاء ومساكينهم ، فلا يخلّوا في الحارة مسجدا ولا سبيلا في يد أحد إلا سعوا اليه فتمقتهم قلوب المؤمنين بعد ان كانوا يتبركون بهم لأنهم اخرجوا قلوبهم من الخير وملأوها بحب الدنيا ومضايقة أهلها قبل ان يخربوا زاويتهم . وربما سكن إبليس عندهم في الزاوية وصار هو الشيخ لهم ان داوموا على الشرور والنزاع ، فلا يزال يوسوس لهم في امر بعضهم بعضا بسوء الظن ونقل الكلام والفتن حتى لا يخلي لهم وقتا لعمل الدنيا والآخرة ، وينقادون له أكثر مما كانوا ينقادون لشيخهم الإنسي ، وذلك لان شيخهم الإنسي كان يدعوهم إلى كل شيء يخالف هوى نفوسهم ، وإبليس يدعوهم إلى كل ما تهواه نفوسهم ويحجبهم عن شهود قبيح افعالهم حتى لا يكاد أحد منهم يتوب من زلة وقع فيها ولا يستغفر . وتقدم انه ليس لإبليس مصيدة يصطاد بها فقراء الزاوية أعظم من التحريش بينهم واشتغالهم ببعضهم بعضا فيقطعهم بذلك عن الاشتغال باللّه عز وجل ، ويصيرون كالشياطين لا يذكرون إلا النقائص ولا يطلعون الا على العورات ، وتتجلى لهم صفاتهم القبيحة فيظنون انها صفات غيرهم واللّه تعالى أعلم .
ومن شأنه إذا كان فقيها ان لا يعارض النقيب إذا استعمل أحدا ممن يقرأ عليه في قضاء
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 107
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٠٧