الجمعة إلى العصر فنزلت وراءه الميضاة فرأيته يدور الأخلية واحدا يتأمل فيها ويقف ساعة ثم يطلع الزاوية ، فعرفت ان ذلك ترويحا لنفسه من حضرة الذكر ، ولو أنه كان صادقا لم يفارق المجلس لينظر مواضع القذر التي هي مجلس للشياطين ، فالعاقل من تنبه لنفسه وأكرمها على الخير حتى تصير تحب الخير ولا تمل منه إلا في النادر .
وسمعت سيدي عليّا المرصفي رحمه اللّه يقول : إياكم ان تخرجوا من حلقة الذكر إذا احتبك المجلس آخر الذكر لان ذلك يضعف همة الضعفاء . ولعل ذلك هو المعنى الذي حرم لأجله الانصراف من صف القتال الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة أخرى يقاتل معهم ، والذاكر مقاتل في سبيل اللّه للشيطان بيقين ، فليس له الانصراف أدبا من ناحية المجلس إلى أخرى الا متحرفا لقتال مكان أو متحيزا إلى من فيه ، يذكرون اللّه تعالى بقلوب ضعيفة فيقوي قلبهم على الذكر ويطرد عنهم إبليس بذكره ، فإنه إذا رأى قلب الذاكر غافلا افترسه وركب على قلبه فيستأصله ويهلكه . فإذا جاءه من يذكر بهمّة وعزم استخلصه من يد الشيطان كما يستخلص المقاتل الأسير من يد العدو . وقد أباح اللّه للمقاتل ان يقف في أي مكان كان من صف القتال وما حرم عليه إلا الانصراف واللّه أعلم .
ومن شأنه ان لا ينصرف من مجلس الذكر الذي يكون مع الشيخ ولو لحاجة ضرورية إلا بعد استئذانه الشيخ صريحا أو بالإشارة ، لا سيما مفارقة من علت رتبته من أصحاب الشيخ فإنه يتعين عليه المشاورة جزما لئلا يقتدي به غيره فتضعف حلقة الذكر ، لان المجالس انما جعلت ليقوي بعض الناس بعضا ، فإذا كسل واحد كان جاره نشيطا ، وكلما عظم الفقراء امر مجلس الذكر واعتنوا به كلما علت همة الفقراء وكلما استهانوا بحضوره كلما انحطت همة غيرهم ، لا سيما الأكابر من جماعة الشيخ ، فان أحدهم إذا انصرف من المجلس قبل فراغه كان كأمير العسكر إذا خرج من القتال مكسورا فإن غالب الجيش يتبعه . فليحرص أكابر المجلس على أن أحدهم لا يقوم من المجلس حتى يفرغ لئلا يقتدي به الناس ، فان إبليس لا يفارق هذه المجالس ابدا ، فربما رأى الفقير مقبلا على اللّه في ذكره وهو في جمعته معه فيقول له : قم فانظر السوق من على باب الزاوية أو اذهب إلى بيتك فانظر ماذا يصنعون وارجع ، ومقصود إبليس بذلك ان يخرجه من تلك الجمعية والحضور مع اللّه تعالى وينقص أجره . فإذا وسوس بذلك لفقير فينبغي له ان يرد كيده في نحره ويقول : اخسأ لعنك اللّه أتريد ان تخرجني من حضرة اللّه تعالى إلى حضرتك . فإن لم يرتد عنه خاطر إبليس فليعرض ذلك على الشيخ ويستأذنه في ذلك فان اذن له في الخروج فذلك والا لزمه مخالفة إبليس ، فان اللّه تعالى جعل الأنبياء ونوابهم من الدعاة إلى اللّه تعالى أمناء على الامّة في كل ما يرقي درجاتهم ، كما أشار اليه قوله تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا