تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ
الآية . ومجالسة الأشياخ في الذكر وقراءة القرآن والعلم امر جامع بيقين ، فلا ينبغي لاحد ان يفارقهم حتى يستأذنهم ، ثم إنهم إذا استأذنوا الشيخ بالمفارقة لحاجة لم ينبغ لهم ان يقوموا دفعة واحدة فيضعفوا قلب الباقين بل يقومون متراسلين واحدا بعد واحد مثلا . ثم إذا فرغ أهل المجلس من الذكر وأرادوا الجلوس فليرجعوا إلى أماكنهم التي كانوا جالسين فيها قبل الزحف إلى قلب الحلقة ، ولا ينبغي لهم بعد الذكر ان يجلسوا في جانب الحلقة ويتركوا الجانب الآخر خاليا فيدخل الشيطان من ذلك الموضع ، كما ورد ذلك في صفوف الصلاة ، فان الشارع امرهم ان يتراصوا في الصفوف لئلا يدخل الشيطان بينهم فيوسوس لأحدهم في صلاته بما ليس له به حاجة . ومعلوم ان مجالس الذكر انما هي محاربة للشيطان ، وكلما بعد العدو كان أقوى لنا من التحامه بنا . قال الأشياخ : ولا ينبغي للمنشد ان ينشد بعد فراغ الذكر الا بعد استقرار نفوس الذاكرين وفراغهم من وارد الذكر ، فلا ينبغي الانشاد على اثر الذكر ؛ لان ذلك يفرق قلوب الجماعة . وكذلك لا ينبغي للمنشد ان يتخذ الانشاد عادة سواء احتاجوا اليه في التنشيط أم لم يحتاجوا اليه بل يجعل الانشاد خاصا بكل وقت رأى همتهم فاترة عند الذكر ، وهذا من باب يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال . وما دامت الهمة قوية فلا ينبغي له الانشاد لان قلوبهم مجموعة على حضرة اللّه تعالى والقاء بالهم لمعاني ما ينشده المنشد يفرقهم عن اللّه تعالى . وكان سيدي مدين لا يدع المنشد ينشد الا بعد سكتة فيسكت الجماعة حتى يرى منهم الملل ساعة ثم يأمر المنشد فينشد ، فإذا اجتمعت حواسهم ذكر بهم ، فلا يزال كذلك حتى يفرغ المجلس ، وربما رأى همة الفقراء قوية فيمنع المنشد من الانشاد جملة . ومن هنا قالوا ينبغي ان يكون المنشد هو الشيخ لأنه أعرف بجمعية قلوبهم وتشتيتها ، فإن لم يتيسّر فرجل صالح له المام بمصطلح الفقراء ما سيأتي بسطه عند مبحث السماع في الخاتمة ان شاء اللّه تعالى . ثم إذا دعوا وانصرفوا من مجلس الذكر فلا ينبغي لأحدهم ان يتحدث مع أخيه بكلام مطلقا إلا لضرورة شرعية لان الكلام اللغو بعد مجلس الذكر يطفئ النور الحاصل بالذكر . فلينصرف الفقراء كلهم ساكنين مطرقين إلى خلاويهم أو أمكنتهم التي يجلسون فيها ويشرعون فيما أقامهم شيخهم فيه باذن اللّه تعالى من قراءة أو ذكر أو اشتغال بعلم وقضاء حاجة ونحو ذلك . قال الأشياخ : وانما أوجبوا على المريد مواصلة الأذكار بعضها بعضا لتتراكم أنوارها على القلب وترحل عنه الظلمات الحاصلة بارتكاب الحرام والشبهات في القول والفعل . وقالوا : من لغا بعد المجلس فكأنه لم يذكر شيئا وربما كان لغوه ساعة يرجح في الظلمة على
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 105 | عبد الوهاب الشعراني / طه عبد الباقى سرور / محمد عيد الشافعى