وكان يقول : من علامة رياء المريد أن يجيب عن نفسه إذا قيل له : يا مرائي ، أو يا معجبا بعمله ، أو يا متكبر ، ونحو ذلك ، وإنما جاز مثل ذلك للأشياخ لأنهم متبوعون ، فيخافون من تغيير قلوب مريديهم فلا يعتقدون فيهم ، فيحرمون بركة صحبتهم .
وكان يقول : من طلب من المريدين الشهرة بالصلاح بين الناس لزمه الرياء لأجلهم ، والكراهة لهم بغير حق ، والوقوع فيما يسخط ربه .
وكان يقول : إياك أيها المريد أن تطلب دخول حضرة ربك في ذكرك وصلاتك وعندك بقية نفس ، فإن الملك القدوس قد حكم وقضى أن لا يدخل حضرته أحدا من أهل النفوس .
وكان يقول : أول عائق يعرض للمريد اعتماده على أعماله ، وذلك من غلبة وهمه على وجوده وتراكم الخيال في مرآة عقله ، ولا يخرج مريد عن ذلك إلا بنور الكشف بأن اللّه تعالى خالق لعمله وحده ، وليس له منه إلا نسبة التكليف .
وسمعت سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : لا يبلغ أحد مقام الإخلاص في الأعمال حتى يصير يعرف ما وراء الجدار ، وينظر ما يفعله الناس في قعور بيوتهم في بلاد أخر ، فهناك يعرف يقينا بنور هذا الكشف ، أن عمله ليس هو له ، إنما هو محل لبروزه من جوارحه حيث كانت الأعراض لا تظهر إلا في جسم ، والأعمال أعراض فافهم .
وكان يقول : من علامة صدق المريد في ترك الدنيا أن يتعسر عليه أسبابها أبدا ما عاش ، وذلك لقوة همته في دفعها ، فلا يصبح ويمسي إلا فقيرا إلى ربه عز وجل .
وكان يقول : إذا فتح اللّه تعالى على المريد فتح التعرف فلا يبالي بعد ذلك قل العمل أو كثر .
وكان يقول : لما علم أهل اللّه تعالى أن كل نبات لا ينبت ولا يثمر إلا بجعله تحت الأرض تعلوه النعال جعلوا نفوسهم تحت النعال لينبتوا ويثمروا فلا يظهرون للناس إلا بعد تمكنهم في محبة الحق .
وكان يقول : إذا ورد عليك أيها المريد وارد في ذكر أو غيره فاقبله من الحق تعالى ولا تتعشق به فتحجب عن ربك وتقف عن الترقي .
وكان يقول : احفظ وردك أيها المريد عن النسيان فربما احتجت إليه إذا بلغت مبلغ الرجال وربيت المريدين ، وقد زهد في ذلك بعض الأشياخ فاحتاجوا إليه حال تربيتهم ، فلم يعرفوا كيف التربية .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 97
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٩٧