معاصي الباطن لا يهتدي غالب المريدين للقوم عنها ، وطاعاتهم ربما لا تفي بالرقي إلى ما أفسدوه بالمعصية ، وكأنهم لم يطيعوا ولم يترقوا ، إن الرقي لا يكون إلا لمن ترك المعاصي جملة .
وكان أبو بكر الورّاق رحمه اللّه يقول : من أظهر للناس خلاف ما هو عليه في باطنه ازداد عيوبا إلى عيوبه . وكان يكره للمريد السفر إلى أهله ، والسياحات في البلاد ، ويقول : مفتاح كل خير التربص في موضع الشيخ حتى يربيه ويفطمه .
وكان يقول : من أكثر من الانتقال من زاوية فيها شيخ إلى زاوية لا يفلح أبدا .
وكان يقول : من علامة صدق المريد ، أن تصير الأذكار غذاه ، والتراب فراشه .
وكان يقول : كنت في بداية أمري أكتفي برؤية شيخي من الجمعة إلى الجمعة عن الطعام والشراب .
وكان يقول : من لم تصح مبادئ إرادته فلا بد أن يعطب في نهايته ، وذلك بأن يعبد اللّه في بدايته إجلالا له وقياما بواجب حقه عليه لا بقصد التقريب من حضرته ، فإن ذلك كالعمل بأجرة ، وليس ذلك من شأن أهل اللّه . وهذه الغفلة من أخفى العلل ، فإن صاحبها ربما ترقى إلى قريب من الحضرة الإلهية ، فقالوا له : ارجع فلست من أهلها إنما أهلها من لم يرد إلا اللّه .
وكان يقول : إذا سكن قلب المريد لترك حضور مجالس الذكر عاقبه اللّه تعالى بالخزي في الدنيا قبل الآخرة ، وكل من قلاها عن حضور مجالس الذكر باللغو مقته اللّه وأمات قلبه وكشف عورته بين العباد .
وكان يقول : من علامة مقت المريد ذم الدنيا في العلانية ومعانقتها في السر .
وكان يقول : يجب على المريد إذا خمدت نار شوقه للطريق أن يجتمع بمن يهيج شوقه ، وإلا ابتلاه اللّه تعالى بالجذام والبرص .
وكان يقول : إذا أكل شيئا بشره نفس أعمى اللّه عين بصيرته .
وكان بشر الحافي رحمه اللّه يقول : لا تقدموا على حذف العلائق شيئا فإني لو أجبت نفسي إلى كل ما طلبت مني من الشهوات لخشيت أن أعمل شرطيا ، أو مكاسا . وإيضاح ذلك أن كل علاقة علقت بالمريد ردته إلى وراء ، فلا يزال المريد الصادق يحذف العلائق شيئا بعد شيء إلى أن لا يصير له علاقة تمنعه من دخول حضرة اللّه عز وجل .
وكان يقول : غنيمة المريد في هذا الزمان غفلة الناس عنه ، فإن لقاء المريد للناس
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 94
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٩٤