ومن شأنه النفرة عن كل من يشغله عن اللّه عز وجل .
فقد كان الشيخ أبو الحسن النوري رحمه اللّه يقول : كل مريد رأيتموه يخالط غير أبناء حرفته فلا ترجوا له خيرا قط ، لأنه متلاعب بالطريق ، وكذلك من رأيتموه كثير السماع للقصائد كثير الانغماس بها ، فلا ترجوا خيره ، لأن الطريق كلها جد . والمراد بالقصائد التغزلات التي يراد بها صفات الخلق .
أما مثل كلام سيدي « عمر بن الفارض » وأضرابه فلا منع منه ، بل هو مطلوب لأنه يشوق إلى حضرة اللّه عز وجل . وإيضاح ذلك أن القوم لما نزّهوا اللّه عز وجل عن جعله محلا لتقولاتهم تغزلوا في المخلوقات : من ليلى ، ولبنى ، والرباب ، والزيانب ، وغيرهن ، ليأخذ المريد المعنى من ذلك ، مع الأدب مع اللّه تعالى ، فإن من أدب الأكابر إذا تعرف الحق إليهم بشيء من الصفات ، أن يستروا ذلك عن الأغيار .
وكان أبو الحسن النوري يقول : لكل شيء عقوبة ، وعقوبة المريد انقطاعه عن الذكر .
وكان يقول : لا يزال المريد بخير ما أحب مناقشة إخوانه له ، فإذا كره ذلك فسد .
وكان يقول : كنت أول دخولي في الطريق ربما أمكث السنة كاملة لا يخطر على قلبي الطعام ، أو الشراب ، إلا إن حضر .
وكان يقول : ليس العجب من مريد يطلب ربه إنما العجب ممن غفل عنه .
وكان يقول : إذا رأيتم المريد كل قليل يزداد من أمتعة الدنيا في داره فهو من علامة إدباره عن ربه فلا تتعبوا أنفسكم فيه ، وذلك كإن دخل في صحبتكم وله امرأة فصار له امرأتان ، أو وهو بلا حمار فصار له حمار ، أو وهو بلا خادم فصار له خادم ، أو وهو بثوب فصار له ثوبان ، وقس على ذلك .
وكان يقول : آفة المريد ثلاث : التزويج ، وكتابة العلوم التي لا تتعلق بالشريعة ، وعشرة الأضداد .
وكان يقول : كل مريد لا يذل في نفسه حتى يكنس بها المزابل ، لا يجيء منه شيء في الطريق .
وكان يقول : شربت مرة من ركوة جندي فعادت قساوتها في قلبي ثلاثين سنة .
ومن شأنه أن يكون مقدس الباطن من سائر الذنوب ، ومتى لم يكن باطنه مقدسا من العيوب ، وأظهر للناس خلاف ذلك ، عوقب بحرمان التقديس في المستقبل ، وإيضاح ذلك أن
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 93
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٩٣