بين يديه طعام كأمثال الجبال ، وإذا أكل لا يأكل إلا بقدر سد الرمق .
وكان يقول : فترة المريد بعد المجاهدة من فساد الابتداء .
وكان يقول : كل مريد انحطّ من حقيقة العلم إلى ظاهر العلم فقد نقض عهده مع اللّه تعالى .
وكان يقول : كل مريد رجع عن طريق إرادته عذبه اللّه عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين .
وذلك لعظم ما رجع عنه ، ومن هنا غفر للكافر إذا أسلم ما سلف من ذنوبه لأنه لم يذق مقام الإقبال على اللّه عز وجل قبل إسلامه .
وكان يقول : المريد الصادق لا بد أن يترك الدنيا مرتين : الأولى يترك مطاعمها ونعيمها وجميع شهواتها ، والثانية أن يترك جاهها وتبجيل الناس له لأجل بركتها ، وذلك أنه إذا عرف بالزهد في الدنيا ، عظمه الناس والملوك ضرورة ، فيكون تركه لذلك أعظم من تركه الأول ، لكن أخذ الدنيا بعد رميها بقصد السير ، لا يكون إلا لمن لا أتباع له ، أما من له أتباع فربما يتبعونه فيهلكون .
ومن شأنه أن لا يتقلّق قط من طول مجلس الذكر ، بل يكون اليوم عنده في الذكر كاللمحة ، وهذا لا يكون إلا لمريد قطع العلائق كلها ، أما من يقرئ الأطفال أو يشتغل بالعلم فبعيد عليه أن لا يتقلّق من مجلس الذكر إذا طال ، لا سيما إن كان ذلك الفقير قد سلك في تربية الأطفال مسلك المريدين في التربية ، فإنه ينقطع عن السير بالكلية .
وقد كان الشيخ أبو الحسن بن الصايغ رضي اللّه عنه يقول : كل مريد اتخذ له مريدا ولو أن يحفّظه القرآن فقد قطع به عن مقام التحقيق ، وطالت عليه الطريق .
وقد كان أحدهم يقرئ الطفل حتى تطلع لحيته لا يعلم بذلك إلا من الناس لغلبة الإطراق ، ومع ذلك كانوا يخافون على أنفسهم من الميل إلى الصبي ، لأجل الإرفاق الذي يحصل من أهله ، وربما زاد الفقيه في إكرامه على من كان دونه في الإرفاق ، فيرجع تعليمه للقرآن إلى طلب الدنيا .
وكان يقول : كل مريد لم يذق ذل المكاسب وذل الحاجة إلى الناس لم ينتج في الطريق ، أي لأن من لا كسب له يأكل بدينه ، ومن لا يتأثر بردّ الناس له إذا سألهم شيئا فهو عديم المروءة ، وكلاهما لا يصلح للطريق ، وأيضا فإن من ذاق ذل المكاسب والحاجة للناس يصير يطلب العز ، ولا عز أعظم من عز الفقراء ، لإذعان الملوك لهم فضلا عن غيرهم ، فيدخل الطريق بهمة ليكتسب ذلك العز ، ويستغني به عن الخلق .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 90
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٩٠