تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
فقلت في نفسي : سبعمائة وقعة وهو لا يرجع عن مطلوبه وأنت ترجع من دون ذلك ! ثم خرجت إلى صلاة الصبح ورجعت فوجدته جالسا فوق المنارة بجانب الفتيلة فأخذت من ذلك ما أخذت ، فكان ذلك من جنود اللّه لي ، فالحمد للّه على ذلك . قال : وقد خطب مريد ابنة سلطان فقال السلطان : إنك لا تقدر على مهرها فقال له : وما مهرها ؟ فقال : مائة جوهرة كل جوهرة بعشرة آلاف دينار فقال له : وأين محل تلك الجواهر ؟ فقال للفقير : في بحر الظلمات ، فأخذ المريد قصعته وذهب إلى ساحل بحر الظلمات ، وصار ينضح منه بقصعته على البر فبلغ ذلك إلى السلطان ، فأرسل وراءه وزوجه ابنته وأمهرها من عنده وجعله وزيرا له لعلو همته . وكان يقول : إياك أيها المريد أن تطلب الوصول بأعمالك فإن الوصول لا يكون إلا بالأعمال التي خلصت من الرياء وسائر الآفات ، وأي عمل خلص لك من ذلك حتى تطلب به الوصول ؟ فالزم العمل على وجه العبودية ، وإلا فاتك أدب الوقت ومدده . وكان يقول : المريد الصادق لا يخوض قط في الذات ، تعظيما لجناب اللّه عز وجل . وكان يقول : كل مريد سمعتموه يقول : حقيقتي اللّه ، أو لا موجود إلا اللّه ، فعرّفوه بذنبه ، فإن لم يتب فاقتلوه ، فإنه زنديق . وكان يقول : من شرط المريد الصادق أن لا يشغل نفسه قط بالمبادرة إلى الإنكار على أحد من إخوانه بل شأنه حمل الناس على أحسن المحامل ، وما دام يرى في أحد نقصا فهو ناقص ، وأما الأشياخ فإن رأوا في المريد نقصا فإنما ذلك بإلهام من اللّه تعالى مصلحة له ، لينقذوه من الآفات . وليس عندهم ازدراء لأحد من العصاة ، لنظرهم المحكم إلى مجاري الأقدار في الخلق وعلامات حدتهم في براءتهم من السوء ظاهرة . ومن شأنه أن لا يزاحم الرجال في الجلوس بل يجلس خلف الناس إلى أن يلتحي . وقد كان الشيخ أبو الحسن بن الصايغ رفيق سيدي أبي العباس المرسي رضي اللّه عنه يقول : لا ينبغي للمريد إذا كان جميل الوجه لا لحية له أن يجلس قط مع الرجال إلا في حلقة الشيخ ، ولا يكتحل بالمكحل الأسود ولا يتطيب ولا يلبس اللباس الفاخر ، وإنما الأدب أن يلبس الثياب الخشنة ، والمرقعات ، لا سيما إن أقام في الزاوية . وكان يقول : إياكم والتساهل بالنظر لشيء من الصور الجميلة فإن كل نظرة تورث في القلب حسرة وظلمة . وكان يقول : من شأن المريد الصادق أن لا يمد يده للطعام إلا عند الضرورة ، ولو كان